المحاسبة والمسئولية للإنسان المُكَلَّفِ:
وتَرى طائفةٌ أخرى ـ ذات نظرٍ أعمقَ ـ أن البعْث خاصٌّ بالإنسان المُكلَّف، وأن المُحاسبة والمسئولية خاصانِ به، والآخرة دار جزاءٍ، ولا مُحاسبة إلا حيث التكليف، ولا تكليف لغير الثَّقَلَيْنِ: الإنْسِ والجِنِّ. وإذنْ فلا مُحاسبة للحيوانات ولا بَعْثَ.
أما قوله: (وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ) فالحَشْرُ فيها ليس هو حشر الآخرة، وإنما هو جمْعها لاستيلاء الرُّعْب عليها وقت الاضْطراب العام وانْحلال النواميس الكوْنية، وقد ذُكر هذا الحشْر في حوادث الاضطراب التي تَحدث قبل البعْث بدليل ما قبلها. (وإذا الشمسُ كُوِّرَتْ وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وإذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ وإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ) . (الآيات أوائل سورة التكوير) . وما جاء بعدها (وإذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ) . وكل هذه من حوادث الاضطراب العام الذي يقع قبل يوم القيامة.
أما البعْث فقد ذُكِر بعد ذلك كله بقوله ـ تعالى ـ في السورة نفسها (وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) . إلى قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) .
أما الحشر في آية الأنعام فهو يرجع إلى المُكذبين لرسالة الرسول المَذكورين قبل الآية وبعدها، أو أن معناه: الهلاك والموت، وهو عامٌّ لكلِّ المخلوقات، ومن ذلك قول العرب في السنة المُجدبة:"حُشرتِ الناسُ، يُريدون: أهلكتْهُمْ".
هذا وقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره: وليس في الباب ـ يُريد مسألة بعث الحيوانات ـ نصٌّ من كتابٍ أو سُنة يُعَوَّل عليه، يدلُّ على حشْر غير الثقلين من الوحوش والطيور. ثم قال:"ومن القريب جِدًّا أن يكون الحديث الذي ذكروه كنايةً عن تمام العدْل، بدليل ما جاء في بعض الروايات من الاقْتصاص من الحجر إذا وقع على الحجر".