الترويج لوسائل الدَّجَلِ:
وقد أطمع الناس في ذلك كله ـ بعد رغبتهم المُلِحَّة في استطلاع الغيب، وخوفهم الشديد من المعوقات، أطمعهم في الركوب إلى تلك الوسائل والاتجاه إليها، والاعتماد عليها، وإسلام النفس لها ـ أطمعهم صدق بعض التنبُّؤات، أو بعض صور التشاؤم عن طريق المُصادفة، التي لا ينبغي للعقول السليمة أن تتَّخذها أساسًا أو مُوَجِّهًا في نواحي الحياة والعمل.
وكم مِن كتابٍ فُتِحَ، ومِن مُصحف قُلِّبَتْ أوراقُه وعُدَّتْ آياتُه، وكم من طيرٍ مَرَّ، وكم مِن وَدَعٍ ضُرِبَ وكم وكمْ..، وترقَّب الناس الأحداث التي أوحتْ بها إليهم هذه الوسائل، ثم خاب فَأْلُهُمْ، وطاشَ سَهْمُهُمْ، ومَرَّتِ الأيامُ تِلْوَ الأيامِ ولم يَحدث شيءٌ مما شاع وذاع، وملأ الأسماع، وما حديث الناس عن انتهاء العالَم ـ وتخمينهم عن وُقوع الوباء العام، أو القَحْط الشامل وترقُّبُهُمْ للأحداث المُفاجئة ـ إلا أسلوب مِن أساليب الدَّجَل، قَصَدَ به أرْبابُه زلزلةَ الإنسانية الضعيفة، وصرْفها عن جهات العمل النافع الذي يُطمئنها في الحياة.
وإذا كان لصدْق بعض التنبؤات أثرٌ في استمرار الناس على التعلُّق بتلك الوسائل، فهناك مُبَرِّرٌ آخرُ للنفوس الضعيفة في استمرارها عليها. ذلك هو اشتغال بعض المُنتسبِينَ إلى الدِّين ـ ظُلْمًا وزُورًا ـ بكثير من هذه الوسائل: يَعلمونها ويُظهرون تَصديقهم إيَّاها ويدعون الناس لها، ويُوجِّهونَهم إليها.
ومما يتصل بهذا ما نَقرؤه في بعض المجلات والصُّحف من إعدادِ إطار خاص يُرشد إلى حظِّ القارئ ونَجْمِهِ وسعادته وشقائه باعتبار مِيلاده، يوْمه وبُرجه. والمفروض أن الصحف مَصادر التثقيف والتوجِيه، وأن المُشرفين عليها أرباب ثقافةٍ أخذوا بها على عاتقهم توجيه الناس إلى ما فيه خيْرهم وسعادتهم.