أخبار يَلُوحُ عليها الزَّيْفُ:
يتحدث كثير من الناس عن طيران بعض الموتَى، وهم مَحْمُولون على أعناق الرجال، وعن تراجُع النَّعْشِ بحامِلِيهِ إلى الوراء، ويتحدَّثُون عن ثِقَلِهِ مرة، وخِفَّتِهِ أخرى، وتنتشر هذه الأحاديث، وتأخذ بين الناس صبغة الواقع الصحيح، وكما يأخذ الموتَى في مُعتقداتهم مكانة الأولياء الذين تبدو كراماتهم الحِسِّيَّة. وكثيرًا ما ينشأ عن ذلك إقامةُ أضرحةٍ لهؤلاء الموتَى باسم الولاية، وتصحب تلك الأضرحة مزارات تُلتمَس بركاتُها، ويُدْعَى مَن فيها، ويُتَّجَهُ إليه في قضاء الحاجات ودَفْعِ المُلِمَّاتِ والكُروب، كما يُصبح للضريح أيضًا خدَمٌ وموظفون، يتلقَّوْنَ النُّذُورَ والصدَقات باسم ساكنه.
وقد سألني الكثيرون أن أُبَيِّنَ لهم موقف الدين من هذه الأمور.
والواقع أن صِدْقَ هذه الأخبار لا يكفي فيه مجرد سماعها، ولا مُجرد رؤية النعش وهو مَحمول على الأعناق يتقهقر إلى الوراء أو يتقدم إلى الأمام، فضلًا عن سماع طيرانه في السماء. لا يكفي سماع شيءٍ من هذا في تصديقه؛ فالناس مُولَعون بتناقُل الأخبار الغريبة، وفيهم مَن هو قابِلٌ لتصديق كل شيء يسمعه، فينقله ويتحدث به ويُقسم عليه. إنَّ صِدْقَ الأخبار يحتاج إلى الوُثوق بصدق حاملي النعْش، والوُثوق بسلامة نفوسهم من الانفعالات الخاصة، التي تُورث الضعف في أعصابهم وتجعلهم يتقهقرون أو يندفعون إلى الأمام بغير انتظام، والوُثوق بأنه ليس لهم نوايَا خاصة في إشاعة أن الميت له عند الله منزلة، يُبنى له بها ضريح، وتُصنع له مَقْصورة، وتُفتح أبوابه للزيارة والنُّذور، وتُقام له الموالد والليالي، إلى غير ذلك ممَّا يكون في واقعه مَوْرِدَ رِزْقٍ جديد لحَامليه، وإلى مَن أعزَّ إليهم بإيجاد هذا المَظْهر.