لا تجعلوا الله عُرْضةً لأيْمانكم:
أما الأصل الثاني: فهو أن الأيمان إنما شُرعت لإثبات حق أو دفع باطل، فيجب أن تُقدَّر بقدرها، وألَّا يُهرع إليها في كل ما عظُم أو حقر، كما يجب ألا تُتخذ وسيلةً لمنْع خيرٍ، أو سلْب حق، أو ترويج سلعة كاسدة، أو أخبار كاذبة، ومن هذا الأصل وَجب الحنْث على مَنِ اتَّخذ يمينه حِجابًا مانعًا من فعل الخير، وفي ذلك يقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"مَن حلَف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ التي هي خيرٌ وليُكفِّرْ عن يمينه".
وقد نزل في شأن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ حينما حلَف بالله ألا يُنفق على أحد أقاربه، وقد كان ممَّن خاضوا في قصة الإِفْكِ ـ قوله تعالى: (ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أنْ يُؤتُوا أولِي القُرْبَى والمَساكينِ والمُهاجرينَ في سبيلِ اللهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لكمْ) . (الآية: 22 من سورة النور) وقد فُسِّرَ قوله ـ تعالى ـ: (ولَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بيْن النَّاسِ) . (الآية: 224 من سورة البقرة) ـ بالنهْي عن اتخاذ اسم الله مانعًا من فعْل الخير والتقوَى والإصلاح بين الناس، كما فُسِّر بالنهْي عن كثرة الأيْمان؛ حتى لا ينزلق المُؤمنون إلى مكانة الحلَّاف الذي قال الله فيه: (ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٌ) . (الآية: 10 من سورة القلم) .
وليس من شكٍّ في أن كثرة الأيْمان واشتهار الإنسان بها ممَّا يُضعف ثِقة الناس فيه بعد أن تضعف ثقته في نفسه، ومتى ضعُفت ثقة المرء بنفسه وتبِعها ضعف ثقة الناس فيه لم يبقَ له شيء من كرامة المؤمنين.