الفهْم المُتبادر من الآيات:
وبعدُ. فما عيسى إلا رسول قد خَلَتْ من قبله الرسل، ناصَبَهُ قومُه العَدَاءَ، وظهرتْ على وُجُوههمْ بَوَادِرُ الشَّرِّ بالنسبة إليه، فالْتَجَأَ إلى الله ـ شأن الأنبياء والمُرسلينَ ـ فأنْقَذَهُ اللهُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ وخيَّب مَكْرَ أعدائه. وهذا هو ما تضمَّنتْه الآياتُ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى منهمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصَارِي إلى اللهِ) . إلى آخرها، بيَّن الله فيها قوة مَكْرِهِ بالنسبة إلى مَكْرِهم، وأن مَكْرَهُمْ في اغتيال عيسى قد ضَاعَ أمام مَكْرِ الله في حفظه إلى وعِصْمته إذ قال (يا عيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافعُك إليَّ ومُطهِّركَ مِنَ الذينَ كَفَرُوا) . فهو يُبشره بإنْجائه من مَكْرِهِمْ وردِّ كيْدهم في نُحورهم، وأنه سيَسْتَوْفِي أجَلَهُ حتى يموتَ حتْف أنْفِه مِن غيرِ قَتْلٍ ولا صَلْبٍ، ثم يرفعه الله إليه.
وهذا هو ما يفهمه القارئ للآيات الواردة في شأن نهاية عيسى مع قومه متى وقف على سُنة الله مع أنبيائه حين يتأَلَّبُ عليهم خُصومهم، ومتى خَلَا ذِهْنُه من تلك الروايات التي لا يَنْبَغِي أن تُحكَّم في القرآن، ولستُ أدري كيف يكون إنقاذ عيسى بطريق انتزاعه مِن بينهم، ورفْعه بجَسده إلى السماء مَكْرًا؟ وكيف يُوصف بأنه خيرٌ مِن مَكْرِهِمْ مع أنه شيء ليس في استطاعتهم أن يُقاوموه، شيءٌ ليس في قُدرة البشر؟
ألَا إنه لا يتحقَّق مكرٌ في مُقابلة مكرٍ إلا إذا كانَ جاريًا على أسلوبه، غير خارج عن مُقتضى العادة فيه. وقد جاء مثل هذا في شأن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ (وإذْ يَمْكُرُ بكَ الذينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخرجوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ) .