ليس التحريم خاصًّا بالسائل المشروب:
هذه الأضرار التي ظهرت للخمر وعَرفها الناس، والتي لم تظهر ويعلمها الخبير بطبائع الأشياء، هي مناط تحريمها، وإذا كانت هذه الآثار المتعددة النواحي هي مناط التحريم كان من الضروري لشريعة تبنى أحكامها على حفظ المصالح ودفْع المضار أن تُحرم كل مادة من شأنها أن تُحدث مثل تلك الأضرار أو أشد، سواء أكانت تلك المادة سائلًا مَشروبًا، أو جامدًا مأكولًا، أو مَسحوقًا مشمومًا، وهذا طريق من طُرق التشريع الطبيعية، عرَفه الإنسان منذ أدرك خواص الأشياء، وقارن بعضها ببعض، وقد أقرَّه الإسلام طريقًا للتشريع، وأثبتَ به حُكم ما عُرف للذي لم يُعرف؛ لاشتراكها في الخواص.
ومِن هنا لزِم ثُبوت تلك الأحكام في كل مادة ظهرت بعد عهد التشريع، وكان لها مثل آثار الخمر أو أشد. ومن الواضح أن قوله ـ عليه السلام ـ:"كلُّ مُسكرٍ حرامٌ". لا يُقصد به مجرد التسمية؛ لأن الرسول ليس واضعَ أسماء ولُغات، وإنما القصد منه: أنه يأخذ حُكم الخمر في التحريم والعقوبة.
وإذا كان من المُحَسِّ المشاهَد، والمعروف للناس جميعًا، أن المواد المعروفة الآن"بالمخدرات"، كالحشيش والأفيون والكوكايين، لها من المَضار الصحية والعقلية والروحية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية فوق ما للخمر كان من الضروري حُرمتها في نظر الإسلام، إن لم يكن بحَرْفِيَّةِ النصِّ فبرُوحه ومعناه، وبالقاعدة العامة الضرورية التي هي أول القواعد التشريعية في الإسلام، وهي دفْعُ المَضَارِّ، وسَدُّ ذرائعِ الفساد.