الشريعة لا ذنب لها:
أما ما يُبررون به مثل هذا التفكير مِن أن لحومَ الذبائح تتكدَّس في مِنى، وتُترك للتعفُّن المفسد للجو، أو للنار المذهبة للأموال؛ فهذه الحالة ـ إن صحت ليست ناشئة عن أصل التشريع الذي هو خير كله، وإنما نشأت عن عدم التنظيم، وعدم الإلْمام بأحكام الشرع؛ فإن الشرع لم يطلب مِن كل حاجٍّ أن يذبح، فالذي نَوَى الحج واستمر على إحرامه حتى أكمل حَجَّهُ لا يجب عليه ذبْح، ولم يوجب أن يكون الذبح ـ فيما يطلب فيه الذبح ـ في خصوص مِنَى ولا مَجْزَرَتِهَا، ولا في اليوم الأول من أيام النحر. فأيام النحر كلها زمنٌ للذبح، والحرم كله مكان للذبح، والذبح لم يطلب عينًا إلا في حالات مَخصوصة، وما عداها فالحاج مُخَيَّرٌ بينه وبين غيره: من صدقة أو صيام.
فلو عرف الحجاجُ أحكام الله على هذا الوجه ـ فيما يختصُّ بالدماء، فتصدق مَن لم يُطلب منه الذبْح، وذبح مَن طُلب منه الذبح، وفرَّقوا الذبح على الأماكن والأيام، ثم تخيَّروا الذبيحة مِن غير العِجاف والمرضى، وهيَّئُوها بالسلْخ والتقطيع ـ لَمَا كان لهذه الشكوى موضع، ولكن جرتْ سُنتنا في التفكير أن نَعُدَّ الوضع الذي جرت إليه العادات ـ وإنْ كانت فاسدةً ـ صورةً للتشريع، فنحكم عليه بالقُبح، ثم نُحاول التخلِّي عنه بالقضاء على أصله، وبذلك ندخل في بابٍ من التغيير والتبديل في أحكام الله، ولا نلبث بعد ذلك أن نترك الشريعة كلها جانبًا، باستحساننَا الفاسد المَبنيِّ على واقعٍ جَرَّ إليه الجهلُ وعدم التنظيم.