فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 498

حرِص النبي على تميُّز المسلمينَ:

يبلغ الثامنة والثلاثين مِن عُمره وقد ابْيَضَّ شعرُه كله، فهل لو صبغ شعره تكون في ذلك حُرمةٌ؟

كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد الحِرْص على تميُّز المسلمين عن غيرهم في شخصيتهم الظاهرة. وبذلك يحتفظون بتميُّزهم في الشخصية الباطنة، فلا تقترِب العقائد من العقائد، ولا الأخلاق من الأخلاق، ولا التقاليد مِن التقاليد. ذلك أن التشابُه في الأمور الظاهرة سبيل لمُسارقة النفوس للتشابُه في الأمور الباطنة، ومِن ذلك نرى المسلمين الذين تكثُر مُعاشرتهم للأجانب أضعف اهتمامًا بشئون الدِّين مِن غيرهم، ونرى غير المسلمين الذين يُكثرون من مُعاشرة المسلمين أقرب إلى احترام المسلمين واحترام دِينهم من غيرهم.

هذا وجه. ووجه آخر هو أن المشابهة في الظاهر تُحدث ألْفةً ومودةً. ومن ذلك نرى الرجلين إذا اجتمعَا في بلد غريبٍ، وكانَا من بلد واحد تقوى بينهما الأُلْفة، وإن لم يكونَا مُؤتلفينِ في بلدهما. وكذلك نرى الألفة تربط بين الرجلين متى كانت بينهما مُشابهة، ولو في العِمامة أو الثياب أو الشعر، ويَعرف كلَّ ذلك الشرقيون المُحافظون على زِيِّهِمْ الشرقي إذا تَلاقَوْا في بلد غربيٍّ، لأهله زيٌّ غير زِيِّهم.

ومِن هنا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في الدور الأول لتكوين أمته، ولمُساكنِيهم في المدينة عاداتٌ خاصة عُرفوا بها ـ كان يأمر أصحابه بمُخالفة غيرهم في كثيرٍ من الشئون الظاهرة، احتفاظًا بتميُّز الشخصية التي يرتبط بها كثيرٌ من الأحكام، كإعفاء اللِّحْيَة، وقصِّ الشارب، والصلاة في النعال، وقيام الإمام في المِحراب، وغير ذلك مما نرى تعليل الأمر به والإرشاد إليه بكلمة:"خَالِفُوهُمْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت