صوم الكفَّارات:
أما حُكم الصوم في الكفارات فينبغي أن يُعلم أولًا: أن الصوم جاء في كفارة اليمين (فكَفَّارَتُهُ إطعامُ عشرةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ مَا تُطعمُونَ أَهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهُمْ أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثلاثةِ أيامٍ ذلكَ كفَّارَةُ أيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ) . وقد دلَّتْ الآيةُ على حُكمينِ:
أحدهما: أن الصوم في كفَّارة اليمين لا يكون إلا بعد أن يعجز الحانِث في يَمِينه عن التكفير بالإطعام أو الكُسْوة.
ثانيهما: أن الصوم المَطلوب فيها إنما هو صوم ثلاثة أيام مُطلقة غير مُقيدة، فشملت المُتتابعة والمُتفرقة. نعم، رأى بعض العلماء التتابع واستدلوا بما لم يصحّ، ويُلاحظ هنا أن كفارة اليمين إنما تجب حيثُ كان الحلِف باسمٍ مِن أسماء الله، فلا كفارة للحِنْثِ في الحلِف بغير الله، كالنبي والولِي والكعبة، وليس ذلك يمينًا شرعيًّا تترتب عليه أحكام اليمين.
وجاء الصوم ـ أيضًا ـ في كفارتَيِ القتْل والظهار، ولكنه جاء في كل منهما مُقيَّدًا بالتتابع، ففي كفارة القتْل الخطأ: (فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِن اللهِ) . وفي كفارة الظهار: (فمَنْ لمْ يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ مِن قبْلِ أنْ يَتَمَاسَّا) . والنَّصَّانِ صريحانِ في وُجوب التتابع في صوم هاتينِ الكفَّارتين.
ولعل الحِكْمة في إطلاق صوم اليمينِ، وصوم قضاء رمضان عن التقييد بالتتابع مع التقييد به في صوم كفارتَي القتل الخطأ والظهار هو ما علِمه الله عن عباده من كثْرة الحلِف والحِنْث، وقلَّة ونُدرة القتل الخطأ والظهار؛ فكان الإطلاق فيما يكثر أيسر على العباد، وذلك زيادةٌ عمَّا فيهما مِن آثار سيئةٍ تلحق النفس البريئة في القتل، والزوجة الهادئة في الظهار، وليس كذلك الحنْث في اليمين.