كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجود الناس بالخير، يَمينُه كالريح المُرسلة، يَهَبُ تارةً ويتصدَّق تارة، ويُهدي ثالثة، ويقترض فيردّ أكثر منه وأفضل، وكذلك كان أصحابه على مثل حاله من الجُود والبِرِّ، وهذا أبو موسى يُحدث أن رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إن الأشعريينَ إذا أرْمَلُوا في الغزْو أو قَلَّ طعام عيالهم في المدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم، وحسب أصحابه في المقام قوله ـ تعالى ـ في شأنهم: (يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إليهمْ ولا يَجِدُونَ في صُدورِهمْ حاجَةً ممَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ علَى أنْفُسِهِمْ ولوْ كانَ بهمْ خَصَاصةٌ. ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُولئكَ همُ المُفلحونَ) . (الآية: 9 من سورة الحشر) ."
أما بعدُ:
فهذا نوع من وُجوه الحِكَمِ التشريعية، عرفها المسلمون الأولون، وامتلأت بها نفوسهم وكانت من مقاصدهم في حياتهم، فارتقت عن طريقها جماعتهم. وامتدَّ سلطانهم وعزَّ جانبهم. وهكذا تتصل جميع العبادات الدينية اتصالًا وثيقًا بشئون الفرد فتُسعده، وشئون المجتمع فترفعه. ونسأل الله أن يُبصِّرَنا بهدْيه، وأن يُرشدنا إلى حِكَمِ تشريعه، وأن يُوفقنا لإصلاح دُنيانا بأسرار دِيننا.