وقد أجمع أهل الإسلام على أن كل كتابيٍّ مات قبل إقراره بمحمد ـ صلوات الله عليه ـ وما جاء به من عند الله فمَحكوم له بحكم ما كان عليه أيام حياته غير منقول شيءٍ مِن أحكامه في نفسه وماله وولده وصغارهم وكبارهم بموته عمَّا كان عليه في حياته، فدلَّ هذا على أن المعنى: إلا ليُؤمننَّ بعيسى قبل موت عيسى، وإن ذلك عند نزوله". (عن ابن جرير ببعض تصرُّف) ."
ويُريد ابن جرير بهذه العبارة أن الإيمان بعيسى يلزمه الإيمان بمحمد ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ لأن رسالة محمد ممَّا جاء به عيسى، وعليه يكون من آمن بعيسى مؤمنًا بمحمدٍ فيكون مسلمًا له أحكام المسلمين في التوارث والصلاة عليه وغُسله ودفنه في مقابر المسلمين..إلخ.
وهذا يُخالف إجماع المسلمين على عدم ثبوت شيءٍ من هذه الأحكام للكتابي الذي يموت، وإذا كان هذا يُخالف الإجماع فقد بطُل أن يكون معنى الآية ما ذُكر، وكان"أولَى الأقوال بالصحة والصواب"في نظر ابن جرير هو رأي الأول الذي لا يترتب عليه مُصادمة الإجماع.
إلى هنا، وقبل مناقشة ابن جرير فيما رجَّح به، ليس في الأمر أكثر من أن مُفسِّرًا من بين المفسرين قد اختار رأيًا من رأيينِ حكاهما عن أهل المأثور ورجَّح ما اختاره بما رأى، ولكن القوم تلقَّفوا هذا عن ابن جرير دليلًا قاطعًا على ما يزعمون من نُزول عيسى، ونحن نُلخِّص ردَّنا عليهم في النقاط الآتية التي غفلوا أو تغافلوا عنها.
1 ـ إن ابن جرير يذكر احتمالينِ في الآية، ويذكر الآثار الدالَّة لكلٍّ منهما ويصل بالرأي الثاني إلى ابن عباس ومُجاهد وغيرهما، فكيف يُعَدُّ نَصًّا قاطعًا غير مُحتمِل لأكثر مِن معنى ما خالف فيه ابن عباس ومُجاهد وغيرهما؟