وقد ترك الله في شرْعه هذا الجانب من الحياة للتفكير البشري، ولم يُقيده فقيهٌ بتشريعٍ مُعينٍ ولا أسلوبٍ خاصٍّ، بل دعاه إلى التفكير والنظر فيما يصلح شأنه، على حساب الإيحاءات الزمنية والوسائل العصرية المُتبدلة المُتغيرة؛ ولعل ذلك هو المقصود بمثل قوله ـ عليه السلام ـ:"أنتم أعلمُ بشئون دُنياكم". وإذنْ؛ ليس لنا أن نقول عن شيء يقع في هذه الدائرة إنه لم يفعله الرسول ولا أحد مِن خلفائه، فلا تفعله، ذلك بأنهم لم يفعلوه؛ لأن زمنهم لم يطلبه، ولم تُخلق لديهم بواعث عمله أو التفكير فيه. ومحال على الرسول وخُلفائه أن يعترض تقدمهم في الحياة شيءٌ لا يَمَسُّ عمله عقيدة ولا عبادة، ولديهم وسائله والقُدرة عليه، ثم لا يعملوه بحُجة أن الله لم يأذن لهم فيه!
وقد وافق الرسولُ ـ عليه السلام ـ سلمانَ الفارسي فيما أشار به من حفْر الخندق حول المدينة حينما جاءتهم الأنباء بتجمُّع الأحزاب لمُهاجمتها، واشترك ـ عليه السلام ـ بشَخصه في الحفْر ونقْل الأتربة!
وما مشروعات عمر بن الخطاب ـ في تنظيم الدولة وإنفاذ الجيوش، وترتيب الخراج، وحبْس ما أفاء الله على المؤمنين، وتعيين الولاة وتغييرهم ـ إلا أثرٌ من آثار هذا الإطلاق الذي كانوا يُؤمنون أن الله تركهم عليه، يبحثون به ما يحتاجون إليه من الشئون الزمنية.
وبهذا الإطلاق استطاعوا في وقتٍ وجيزٍ أن يقتحموا الحُصون، ويدكوا صروح الظلم وعُروش الفساد والطُّغيان، وأن يُثبِّتوا أقدامهم فيما استطاعوا أن يثبتوا أقدامهم فيه من أرض الله الواسعة، فدانت لهم قُوى الفساد في الأرض، وأيْقظوا الإنسانية الفاضلة مِن نَوْمِهَا، وأخذت تعمل بوَحْيِهِم وإرشادهم في أرض الله، حتى أظهرت ما أظهرت مِن أسرار الله في كوْنه وانتفع بها الناس، وساروا على هُدًى مِن ربِّهم وأولئك هم المُفلحون.