وهذا حديثٌ أَعرِض فيه آثار تلك الجريمة، التي يُفرق بها الآباء بين أبنائهم ويَغرسون بينهم العداوة والبغضاء، وأُبَيِّنُ فيه حُكم الله في الميراث، وحُكم رسوله في تفضيل بعض الأبناء على بعض في العطايَا والهِبَاتِ، لكي يَعرف الآباء مقدار ما يرتكبون بهذا التصرُّف في حق إيمانهم، وفي حقِّ أُسرهم، وفي حق مجتمعهم، وما المجتمع إلا الأُسَرُ التي يتكوَّن منها، وما الأُسر إلا لَبِنَاتُ المجتمع، يأخذ قوتها إنْ كانت قوية، ويتحاقد إذا تحاقدت، ويصفو إذا صفَتْ. وقد عُنِيَ القرآن الكريم أيَّمَا عنايةٍ ـ تكوينًا للمجتمع الفاضل ـ بالأسرة، فذكَر بِرَّ الأولادِ بالآباء والإحسان إليهم، وذَكَرَ تربية الآباء للأبناء والعطف عليهم، وأكثر من وصية الفريقينِ أحدهما بالآخر. وقد تجلَّت وصية الآباء بالأبناء في موضوع"الميراث"وتوزيع التَّرِكَةِ؛ لأنه هو الموضوع الذي تنبت منه الشُّرُورُ والمفاسد بين الآباء والأبناء بعضهم مع بعض، وتَسْرِي بسُوء التصرُّف فيه روح العداوة والبغضاء في الأسرة، فتُفسدها ولا يجد المُجتمع بعد ذلك إلا لَبِنَاتٍ فاسدةً يتكوَّن منها، ويُكوِّن تبَعًا لها مجتمعًا فاسدًا، لا يدفع عن نفسه شَرًّا، ولا يجلبُ لها خَيْرًا، يُكوِّن مُجتمعًا على عكس ما وصف اللهُ المجتمع الإسلامي: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ تَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ باللهِ) . (الآية: 110 من سور آل عمران) .