ومن هنا لم يَفْتَأ الناس، منذ أن عرفوا الحياة وتكونوا جماعاتٍ، يرون ـ على رغم ما ظهر بينهم من تعارُض الرغبات والشهوات، وتمكَّن في نفوسهم من بواعث الحقد والغضب ـ أن جريمة القتل من أكبر الجرائم، يَرونها سَلْبًا لحياة المَجْنِيِّ عليه بغير حق، وتَيتيمًا لأطفاله، وتَرْميلًا لنسائه، وحرمانًا لأهله وذَوِيهِ منه، وحرمانًا له من حظِّه المُقدَّر له في الحياة. يرونها مُصادمة لإحساس الجماعة البشرية، الذي فُطرت عليه في اعتقاد أن الحياة حقٌّ لكلِّ حي، يتمتع به، وينفع، وينتفع في ظله، ولا يجوز الاعتداء عليه فيه، ولا انتزاعه منه. يرون أنها زعزعة لمَا ترجو هذه الجماعة من هدوء الحياة واستقرارها كي تنتفع بأسرارها، وتصل بها إلى سُبُلِ العِزَّةِ والكمال. وأنها فوق ذلك كله هدْم لعِمارة شادها الله بيده، وجهَّزها بما جهَّز، وسخَّر لها ما سخَّر بحِكمته ورحمته.
وبهذا استَكملت الحكمة الإلهيةُ العمارةَ الكبرى، التي تجعل الإنسان خليفةً فيها، يُعمِّرها ويُنَمِّيهَا.
ولا نكاد لهذا نعثر في التاريخ ـ مهما أغرَق في القدم ـ على جماعة إنسانية هانت عليها الأرواح، وغضَّت أبصارها عن الآثار السيئة لهذه الجريمة، فلم تغضب لها ولم تكترث بشأنها. ومِن هنا كانت حُرمة النفس البشرية من الحرمات التي تقضي بها طبيعة الإنسان في خلقه وتكوينه، وكانت قارَّةً في نفسه بمُقتضى هذه الطبيعة، وأن الشرائع السماوية، حينما جاءت بحُرمتها، لم تكن إلا مؤيدة ومؤكدة لمَا تُمليه الطبيعة على الإنسان في اعتقاد حُرْمتها.