أجمع الصحابة - رضوان الله عليهم- على القول بعدم جواز مس المحدث المصحف، حيث روي ذلك عمن تقدم ذكرهم من فقهاء الصحابة ومشاهيرهم، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف (40) ، فكان إجماعًا سكوتيًا (41) ، بل كان ذلك هو المستقر عند الصحابة زمن النبوة وبعده ويدل عليه قصة إسلام عمر، فإنه حين دخل على أخته وزوجها وهم يقرؤن القرآن فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم أقرؤه، فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم واغتسل، أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه) رواه الدارقطني (42) ، والبيهقي (43) .
وروي عن علقمة قال: كنا مع سلمان الفارسي في سفر، فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن، فقال: سلوني، فإني لست أمسه، فقرأ علينا ما أردنا، ولم يكن بيننا وبينه ماء) وفي لفظ آخر أنه قال: (سلوني فإني لا أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون) (44) .
قال البيهقي بعد روايته هذا الأثر: (وكأنهم ذهبوا - القائلون بعدم جواز مس المصحف - في تأويل الآية إلى ما ذهب إليه سلمان، وعلى ذلك حملته أخت عمر ابن الخطاب في قصة إسلامه) (45) .
وروى الإمام مالك بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت) (46) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه لهذه الآثار وغيرها: (وكذلك جاء عن خلق من التابعين من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين وهذا يدل على أن ذلك كان معروفًا بينهم) (47) .
القول الثاني: أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر مس المصحف.
روي القول بهذا عن: ابن عباس، والشعبي، والضحاك (48) ، والحكم ابن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري (49) ، وهو مذهب الظاهرية (50) .
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي:
1 -ما ثبت في الصحيحين (51) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث دحية الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه للإسلام، وفيه قول الله تعالى:) يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( [آل عمران 64] .
قال ابن حزم: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث كتابًا وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب (52) . فإذا جاز مس الكافر له؛ جاز للمسلم المحدث من باب أولى (53) .
2 -أنه لم يثبت النهي عن مس المصحف لا في الكتاب، ولا في السنة فيبقى الحكم على البراءة الأصلية، وهي الإباحة (54) .
3 -ولأن قراءة القرآن لا تحرم على المحدث، فيكون المس أولى بعدم التحريم (55) .
4 -ولأن حمل المصحف في متاع ونحوه لا يحرم على المحدث، فكذلك المس قياسًا عليه (56) .
5 -ولأن الصبيان يحملون ألواح القرآن وهم محدثون من غير نكير في جميع العصور، فدل على إباحة مسه لكل محدث (57) .
الإجابة عن أدلة القول الأول:
أجاب القائلون بعدم تحريم مس المصحف على المحدث عن أدلة الجمهور القائلين بتحريم مس المصحف بما يأتي:
1 -أن قوله تعالى:) لا يمسه إلا المطهرون (خبر، وليس بأمر بدليل: رفع السين في قوله سبحانه:) لا يمسه (ولو كان نهيًا لفتح السين فلا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، ولم يثبت شيء من ذلك.
ولأن المصحف يمسه الطاهر، وغير الطاهر، فدل على أن الله عز وجل لم يعن بالمصحف المذكور في الآية هذا الذي بأيدي الناس، وإنما عني كتابًا آخر، وهو الذي في السماء (58) .
كما أن المراد بالمطهرين في الآية الملائكة لأنهم طهروا من الشرك والذنوب، وليسوا بني آدم؛ لأن المطهر من طهره غيره، ولو أريد بهم بنوا آدم لقيل: المتطهرون (59) .
2 -أن الأحاديث التي استدل بها على تحريم مس المصحف على المحدث كلها ضعيفة، ولا يخلوا إسناد واحد منها من قدح وعلة، فلا تقوم بها حجة، ولا تصلح للاحتجاج، قال ابن حزم: (فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء، لأنها إما مرسلة، وإما ضعيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، وقد تقصيناها في غير هذا المكان) (60) .
(يُتْبَعُ)