فهرس الكتاب

الصفحة 10304 من 27809

وساق بإسناده أيضًا إلى سعيد بن يعقوب، قال:"سمعت ابن المبارك وسألناه قلنا: نجد المواعظ في الكتب، فننظر فيها؟"

قال: لا بأس، وإن وجدت على الحائط موعظة فانظر فيها تتعظ.

قيل له: فالفقه؟

قال: لا يستقيم إلا بالسماع"."

وساق بإسناده أيضًا عن محمد بن عبد الخالق، قال: كنت جالسًا عند يزيد بن هارون وخراساني يكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، قال: فقلت له أو قيل له:"مالك لا تكتب الإسناد؟"، فقال:"أنا خانه خواهم نبازار"، قال أبو طالب تفسيرَه قال:"أنا لبيتٍ أريده لا للسوق"، قال أبو بكر:"إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ فلا بأس بما فعل، وإن كان ذلك من أحاديث الأحكام وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط أسانيده؛ لأنها هي الطريق إلى تبيُّنه، فكان يلزمه السؤال عن أمره والبحث عن صحته". الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"2/ 316 - 319"ط. الرسالة.

فكانت هذه طريقة العلماء -رحمهم الله- في التعامل مع المرويات التاريخية التي لا تُستقى منها الأحكام، ويبدو هذا المنهج جليًّا أيضًا في تعامل عدد كبير من العلماء ممَّن جمع بين معرفة الحديث والتاريخ مع المرويات التاريخية كابن عساكر، والمزِّي، والذهبي، ومغلطاي، وابن حجر، والسخاوي -رحمهم الله أجمعين-.

مثال تطبيقي مِن تعامُل الحافظ ابن حجر -رحمه الله- مع الروايات التاريخية:

وبعد استعراض المنهج الإجمالي نقف مع مثالٍ تطبيقيٍّ من تعامل الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- مع المرويات التاريخية، وهو أمير المؤمنين في الحديث الذي شهد له القاصي والداني بعلوِّ الكعب في علم الحديث رواية ودراية، بل إمامته في هذا الفن، ونختار لذلك أمثلةً من تعامله مع مرويات محمد بن إسحق -رحمه الله-.

قال ابن حجر -رحمه الله- عن محمد بن إسحق:"إمام في المغازي صدوق يدلس"طبقات المدلسين: ص51.

وبالرغم من تدليس محمد بن إسحق -رحمه الله- وتقرير ابن حجر لذلك إلا أنه -رحمه الله- كان يعتبر قولَه في السيرة والمغازي فيما لو طُبِّقت عليه قواعد النقد الحديثية لا يصمد أمامها بالمرَّة، ومن ذلك:

أ- في قصة بني النضير ومتى كان حصارهم: ذكر ابن إسحق أنها كانت بعد أُحد وبعد استشهاد القراء في بئر معونة، والذي في البخاري معلَّقًا مجزومًا به عن عروة أنها كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، أي قبل أحد.

قال البخاري -رحمه الله-:"باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد، وقول الله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ) (الحشر: 2) ، وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد".

وقد مال ابن حجر -رحمه الله- إلى ترجيح رواية ابن إسحق رغم إيراده سببًا للغزوة غير الذي ذكره ابن إسحق، فقد ذكر ابن إسحاق أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمِّه، وقد كانت بئر معونة بعد بدرٍ باتفاق أهل العلم، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو:"ممن أنتما؟"، فذكرا أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: (لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لأُودِيَنَّهُمَا) .

فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحِلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا:"نعم"، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا:"إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال"، وكان جالسًا -صلى الله عليه وسلم- إلى جانب جدارٍ لهم، فقالوا:"مَن رجل يعلو على هذا البيت فيُلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟"، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه: (لا تَبْرَحُوا) ، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنه توجَّه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت