ولو ثبت عند البخاري صحة سماع قتادة من أبى رافع لخرَّج حديثه عنه، فقد أخرج لقتادة، وكذلك أخرج لأبى رافع، فكلاهما من رجاله، إلاّ أنه تحايد عنه كما تحايد مسلم والنسائى فلم يخرّجا بهذا الإسناد شيئا مع جلالته، هذا مع عناية مسلم بجمع طرق الحديث الواحد حتى ينزل إلى روايات الضعفاء في المتابعات، وكذا لم يُخرِّج أبو داود بهذا الإسناد إلاّ حديثا واحدًا، ونص على انقطاعه، وخرَّج ابن ماجه بهذا الإسناد حديثا واحدًا وهو الحديث الذى معنا، وخرَّج الترمذي حديثين أحدهما هذا الحديث، والثاني قال عنه: (حسن صحيح) وكأنه لمتابعاته وشواهده.
فليس فيى الكتب السته سوى أربعة أحاديث بهذا الإسناد، ثم على فرض أن البخاري والترمذي يصححان سماع قتادة من أبى رافع، فليس قولهما بأولى من قول شعبة وأحمد ويحي وأبى داود، خاصة أنّ هؤلاء نصوا على عدم السماع، بل قال شعبة،: إنّه لم يلقه، فتقليدهم - إن صح أنه تقليد - أولى من تقليد غيرهم.
قال الحافظ في النكت (2/ 726) في نحو هذا (وبهذا التقرير يتبين: عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم، بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك، إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد، كالترمذي وكأبى حاتم ابن حبان فإنه أخرجه في صحيحه، وهو معروف بالتساهل في باب النقد) .
(2) التدليس:
فعلى فرض أنّ قتادة سمع من أبى رافع في الجملة، فإنّه معروف بالتدليس،فقد قال عنه العلائى في جامع التحصيل (ص/ 254) احد المشهورين بالتدليس) فلا بد أن يصرح بالسماع من أبى رافع في هذا الحديث، وقد رواه عن قتادة:
(أ) أبو عوانه، عند الترمذي والحاكم معنعنًا.
(ب) شيبان النحوي، عند أحمد معنعنًا.
(ج) حماد بن سلمه، عند عبد بن حميد معنعنا، كما يظهر من كلام الحافظ في الفتح (13/ 135) . ورواه العقيلي في الضعفاء (2/ 285) باسناد صحيح عن حماد عن قتادة عن ابي رافع معنعا موقوفا.
(د) سعيد بن أبى عروبة، ورواه عن سعيد:
(1) يزيد بن زريع، عند ابن جرير الطبرى معنعنًا.
(2) عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه: (ثنا أبو رافع) وهو تصحيف، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره (3/ 110) اسناد ابن ماجه وفيه: (عن قتادة قال: حدَّث أبو رافع) ، وذكره أيضا في البداية (2/ 103) فقال: (رواه ابن ماجه من حديث سعيد عن قتادة إلاّ أنّه قال: حدَّث(1) أبو رافع)، وكذا نبّه الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 135) فى كتاب الفتن باب يأجوج ومأجوج فقال: (وأخرجه ابن ماجه من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال:(حدَّث أبو رافع ) ) وأشار إلى هذه الصيغة المزي في تحفة الأشراف (10/ 392) بعد رواية ابن ماجة. ثم وقفت على نسخة مصورة لسنن ابن ماجة في مركز البحث العلمي في جامعة ام القرى تحت رقم (625) عن الاصل المحفوظ بمكتبة جارالله بتركيا تحت رقم (290) وهى بخط الشيخ المحدث أحمد بن عبدالخالق القرشي الشافعي وتاريخ نسخها سنة (610) وفيها (حدث أبو رافع) وكذا وجدته في سنن ابن ماجة تحقيق الأعظمي فثبت يذلك أن ما في طبعة عبدالباقي وكذا ما وقع في سنن ابن ماجة بشرح السندي هو تصحيف وتحريف فليصحح.
(3) روح بن عبادة، عند أحمد في المسند، وفيه تصريح قتادة بالسماع. ولاشك أنّ رواية سعيد بن ابى عرواية هى كما رواها حفاظ أصحابه بلفظ (عن) أو (حدَّث) ، وأما رواية روح عنه بلفظ (ثنا) فوهم أو تصحيف للأتي:
1 -أن يزيد بن زريع وعبد الأعلى ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط بلا خلاف، كما في الكواكب النيرات (ص/ 195ــ 197) ، وروح بن عباده مختلف في سماعه منه، فقد قال الطحاوي في مشكل الآثار: (وسماع روح من سعيد انما كان بعد اختلاطه) ونص الحافظ ابن حجر في هدي الساري (ص /570) على أنّه سمع منه بعد الاختلاط. واما قوله عن نفسه أنه سمع من سعيد قبل الهزيمة كما في سؤالات الآجري (ص/ 244) وقد اعقبه ابو داود بقوله (كذا قال روح!) فكأنه لم يقنع بهذا من روح لاحتمال انه وهم في تحديد سماعه من سعيد ومثله قوله عن نفسه كما في تهذيب التهذيب (2/ 295) : (سمعت من سعيد قبل الاختلاط ثم غبت، وقدمت، فقيل لي: انه اختلط) .
فالجواب عنه:
(يُتْبَعُ)