-ففى حالة البيع والإجارة: يفسد العقد إذا كسد النقد فإذا راج ذلك النقد عاد العقد صحيحا. ويقول ابن عابدين: ولو عادت"أى رجعت للرواج"لا يفسد. وفى حالة فساد عقد البيع إن كان المبيع قائما في يد المشترى ولم يتغير وجب رده إلى البائع أما إذا خرج من ملك المشترى أو تغير وجب دفع مثله إن كان مثليا وقيمته إن كان قيميا. أما في حالة فساد عقد الإجارة فالواجب أجر المثل وأما بالنسبة للقروض فالواجب مثل النقود المقرضة ولا عبرة بكسادها.
أدلة الإمام أبى حنيفة
استدلوا للبيع والإجارة: بأن ثمنية الدراهم والدنانير المغشوشة والفلوس ثبتت باصطلاح الناس عليها لا بالخلقة وانعقاد البيع أو الإجارة بالمغشوشة أو الفلوس لم يكن باعتبار مالية قائمة بعينها وإنما باعتبار مالية قائمة بصفة الثمنية فيها باعتبار رواجها فما دامت رائجة تبقى ماليتها وإذا انتقى الاصطلاح انتفت المالية فيبقى المبيع بلا ثمن فيفسد البيع وكذلك بالنسبة للإجارة. واستدل للقرض: بأن جواز الاستقراض في النقود لم يكن باعتبار صفة الثمنية بل لكونها من ذوات الأمثال ولذلك جاز الاستقراض في كل مكيل أو موزون أو عددى متقارب وبالكساد لم تخرج النقود من أن تكون من ذوات الأمثال ولذلك جاز استقراضها بعد الكساد بخلاف حالة البيع فإن دخولها في العقد هناك كان باعتبار صفة الثمنية وبانعدامها يفسد العقد.
ولأن القرض إعارة وموجبها رد العين معنى إذ لوكان استبدالا حقيقيا لاستلزم ربا النسيئة ألا إنه لما كان مضمون هذا العقد هو تمليك المنفعة بالاستهلاك لا مع بقاء العين لزم تضمنه تمليك العين فبالضرورة اكتفى برد العين معنى وذلك برد المثل.
مناقشة أدلته:
-النقود تثبت في الذمة وما كان في الذمة لا يحتمل الهلاك فلا يبطل البيع والإجارة لبطلان التعامل بالثمن.
-القرض يستلزم رد المثل هذا أمر مسلم به لكن بالكساد عجز عن رد المثل لخروج النقود عن الثمنية والنقود غير السلع فتجب على المدين قيمتها وهذه أدلة الفريق الثالث كما سنرى.
القول الثالث:
أنه إذا كسدت الدراهم والدنانير المغشوشة والفلوس وجب على المدين رد قيمتها من نقد آخر غير كاسد وتقدر القيمة يوم التعامل وهو يوم التعلق بالذمة ولا يجزى رد مثل الكاسد. وهذا هو قول أبى يوسف والراجح عند الحنابلة وهو قول غير مشهور عند المالكية. واستدلوا - بالإضافة لما ورد في مناقشة الإمام -بما يلى:
-القرض وإن لم يقتض وصف الثمنية إلا أنه لا يقتضى سقوط اعتبارها إذا كان المقبوض موصوفا بها لأن الأوصاف معتبرة في الديون المشار إليها فإن وصفها لغو لأنها تعرف بذواتها. -إن تحريم السلطان لتلك النقود منع لإنفاقها وإبطال لماليتها فأشبه تلفها وتعيبيها فلا يلزم الدائن بقبولها.
-ولأنه دفع شيئا منتفعا به فلا يظلم بإعطاء ما لا ينتفع به.
القول الرابع:
أنه يجب دفع قيمة النقد الكاسد لكنهم قالوا تقدر القيمة في آخر يوم تعامل الناس من نقد آخر غير كاسد. وهذا ما ذهب إليه محمد بن الحسن وهو قول الشافعية ورواية الحنابلة وأدلتهم الفريق الثالث لكنهم قالوا بوجوب دفع القيمة في آخر يوم تعامل بالنقد الكاسد لأنه يوم الانتقال إلى القيمة. أما بالنسبة للمفتى به عند الحنفية في هذه المسألة فليس قول الإمام وإنما قول الصاحبين لكن منهم من رجح قول أبى يوسف ومنهم من رجح قول محمد. ويقول ابن نجيم: وفى الذخيرة الفتوى على قول أبى يوسف وفى المحيط والتتمة والحقائق بقول محمد يفتى رفقا بالناس.
الرأى المختار:
من خلال النظر في أدلة الفقهاء يبدو أن الراجح لها قيمة هو قول من ذهب إلى وجوب دفع القيمة لا المثل لأن النقود المغشوشة لا تستمد قوتها الشرائية من ذات المعدن فقط وإنما لها قيمة اصطلاحية تفوق قيمتها المعدنية ثم هى تكتسب هذه القوة الشرائية إذا راجت وجرى العرف على التعامل بها فإذا ألغى تدوالها انتقلت تلك القوة الشرائية المصطلح عليها فلم تعد في هذه الحالة مماثلة لحالة كونها رائجة ومن هنا فلا يقال بوجوب دفع المثل لأنها مثلية ذلك أن المثلية قد أنعدمت بالكساد فينتقل إلى القيمة أما وقت تقدير القيمة فأرى أن الراجح هو قول أبى يوسف ومن معه لأنه الأقرب إلى العدالة لأن المراد من هذه النقود قوتها الشرائية وقد ثبتت في الذمة يوم التعامل.
(يُتْبَعُ)