ـ [عبدالرحيم بن علي الجزائري] ــــــــ [17 - Aug-2008, مساء 04:09] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
المبحث الثاني: متى يشرع الجمع بين الصلاتين؟
أولا: الجمع بعرفة ومزدلفة: أجمع العلماء على مشروعية الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة جمع تقديم، وبين المغرب والعشاء ليلة النحر بمزدلفة جمع تأخير.
وحكى هذا الإجماع غير واحد من العلماء مثل: ابن المنذر وابن قدامة والنووي وابن رشد والقاضي عياض والبغوي والقرطبي وابن عبد البر وابن حزم وابن تيمية وغيرهم.
ثانيا: الجمع بعذر السفر: ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الجمع في السفر ولم يخالف في ذلك إلا الأحناف.
ثم اختلف الجمهور بعد ذلك في شروط السفر المبيحة للجمع، أو بعبارة أخرى متى يشرع للمسافر الجمع بين الصلاتين؟
-القول الأول: ذهب المالكية إلى أن المسافر لا يجمع إلا إذا جَدَّ به السير، أي إذا كان سائرا، أما إذا كان نازلا فلا يجمع.
وهذا القول هو المشهور عن الإمام مالك، جاء في المدونة (1/ 144) : (قال مالك: لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر إلا أن يَجِدَّ به السير، فإذا جَدَّ به السير جمع بين الظهر والعصر) .
واختار هذا القول ابن القيم، فقال في"زاد المعاد": (ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمع حال نزوله، وإنما كان يجمع إذا جَدَّ به السفر) .
لكن يبدو من أقوال الأئمة المالكيين المتأخرين أن الجمع يجوز مطلقا، ففي"حاشية الدسوقي": (جواز الجمع مطلقا سواء جَدَّ في السير أم لا) .
-القول الثاني: وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلا أو سائرا، وهي رواية عن الإمام مالك ذكرها الزرقاني في"شرح الموطأ"، وقال بهذا القول كذلك ابن حبيب وابن الماجشون من المالكية.
واستدلوا بما يلي:
1 -روى أحمد وأبو داود عن معاذ بن جبل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غزوة تبوك) وكان نازلا.
2 -جاء في الصحيحين عن أبي جحيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا في الأبطح في حجة الوداع وأنه خرج ذات يوم وعليه حلة حمراء فأمَّ الناس فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين) .
3 -أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها إما للعناء أو قلة الماء أو غير ذلك.
الترجيح: الصحيح قول الجمهور: أنه يجوز للمسافر الجمع سواء كان نازلا أو سائرا لقوة الأدلة التس استدلوا بها، وإن ترك النازل الجمع فهو أفضل خروجا من الخلاف.
ثالثا: الجمع بعذر المرض: للعلماء في هذه المسألة قولان:
-القول الأول: ذهب الإمام مالك وأحمد إلى أنه يجوز للمريض الجمع بين الصلاتين، كما جاء في المدونة (1/ 143) .
-القول الثاني: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المريض لا يجمع.
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الامام مالك من مشروعية الجمع للمريض، لحديث ابن عباس الآتي قريبا.
قال الامام الخطابي في"معالم السنن" (1/ 230) : (وتأول بعضهم حديث ابن عباس على أن يكون ذلك في حال المرض، وذلك لما فيه من إرفاق المريض ودفع المشقة عنه، فحمله على ذلك أولى من صرفه إلى من لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن المنقطع العذر) .
وقال ابن عثيمين في"الشرح الممتع (4/ 554) ": (فإذا انتفى الخوف والمطر وهو في المدينة انتفى السفر أيضا، ولم يبق إلا المرض، وقد يكون هناك عذر غير المرض، ولكن ابن عباس سئل: لماذا صنع ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته؛ أي: أن لا يلحقها حرج في عدم الجمع، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع) .
وقال في موضع آخر: (فحاصل القاعدة فيه: أنه كلما لحق افنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضرا وسفرا) .
رابعا: الجمع بعذر المطر والثلج: ذهب جمهور العلماء إلى جواز الجمع في الحضر بعذر المطر، ولم يخالف في ذلك إلا الأحناف.
واستدل الجمهور بحديث ابن عباس أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر) رواه مسلم.
وفي بعض الروايات: (من غير خوف ولا مطر) .
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ فقال: (أراد أن لا يُحرِج أمتَه) وفي رواية: (أراد أن لا تُحرَج أمتُه) .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية في شرح الحديث في"مجموع الفتاوى" (24/ 46) : (فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها) .
بل إن ابن تيمية ذكر عن ابن عباس أنه جمع بالناس المغرب والعشاء بالبصرة لأجل انه كان يخطبهم في أمر مهم من أمور المسلمين، ولم يُرد أن يقطع كلامه لئلا تفوت مصلحته، فرأى رضي الله عنه أن ذلك من الأسباب التي يجوز فيها الجمع.
وقد وردت آثار كثيرة عن الصحابة في جواز الجمع بين الصلاتين بعذر المطر وهي كالبيان للحديث، انظُرها في فتح المالك (3/ 111) وفقه الجمع بين الصلاتين في الحضر (137) .
نكتفي اليوم بهذا القدر على أن نكمل البحث في يوم الغد ان شاء الله تعالى، إلى ذلكم الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(يُتْبَعُ)