ـ [عبدالرحيم بن علي الجزائري] ــــــــ [18 - Aug-2008, مساء 01:20] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث
خامسا: الجمع بعذر الطين والظلمة: عند المالكية يُجمَع بين المغرب والعشاء إذا لم يكن مطر وكان هناك طين وظلمة، ولا يُجمَع للظلمة وحدها ولا للطين وحده.
قال مالك في"المدونة" (1/ 143) : (يُجمَع بين المغرب والعشاء في الحضر وإن لم يكن مطر إذا كان طين وظلمة) .
وقال ابن عبد البر كما في"فتح المالك" (1/ 111) : (هذا هو المشهور من مذهب مالك في مساجد الجماعات في الحضر وما يُنتاب منها من المواضع البعيدة التي في سلوكها مشقة) .
سادسا: الجمع بعذر الريح الشديدة الباردة: المراد بالريح الشديدة ما خرج عن العادة، أما الريح المعتادة فإنها لا تبيح الجمع، والمراد بالبرودة ما تشق على الناس.
وعليه فإذا اشتد البرد دون الريح فلا يباح الجمع؛ لأن البرد يمكن أن يتوقاه الإنسان بكثرة الثياب.
وإذا كانت هناك ريح شديدة بدون برد فلا يباح الجمع كذلك؛ لأنه ليس فيها مشقة، إلا إذا كانت هذه الرياح الشديدة تحمل ترابا يتأثر به الإنسان ويشق عليه، فحينئذ يباح الجمع لأجل المشقة. انظر"الشرح الممتع" (4/ 557) .
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (24/ 21) : (يجوز الجمع بين العشاءين للمطر والريح الشديدة الباردة والوحل الشديد، وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما) .
المبحث الثالث: شروط الجمع بين الصلاتين في الحضر
1 -أن لا يكون الجمع بين الصبح وغيرها ولا بين العصر والمغرب بإجماع العلماء.
2 -نية الجمع: يشترط الشافعية أن تكون النية قبل الإحرام بالأولى أو في أثنائها قبل السلام منها، ولا تجوز النية بعد السلام من الأولى.
فلو نوى الجمع قبل الإحرام بالأولى، ثم نوى تركه قبل السلام، ثم نواه بعد السلام، فلا يصح الجمع عندهم.
وأما عند المالكية فلا يشترطون نية الجمع قبل الإحرام بالأولى، فيجوز عندهم أن ينوي الجمع بعد السلام من الأولى، وهذا هو مذهب مالك وظاهر المدونة.
جاء في"المدونة" (1/ 143) : (قلت: فإن وجدهم قد صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء الآخرة فأراد أن يصلي معهم العشاء، وقد كان صلى المغرب في بيته لنفسه، قال: لا أرى باسا أن يصلي معهم) .
وقال الشيخ ابن عثيمين في"الشرح الممتع" (4/ 566) :(والصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود سبب الجمع عند الجمع، أي ضم الثانية للأولى لا عند إحرام الأولى.
فالصحيح أن له أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجودا).
وقد رجح هذا القول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله.
3 -الترتيب: أي أن تكون المغرب قبل العشاء عند الجمع، فلا يصح تقديم العشاء على المغرب، وهو مذهب الحنابلة سواء كان الجمع في وقت الأولى أو الثانية.
وعند الشافعية: يشترط الترتيب للجمع في وقت الأولى ولا يشترط في وقت الثانية.
مسألة: لو أن رجلا دخل المسجد ووجدهم قد صلوا المغرب ودخلوا في العشاء، وهو لم يصل المغرب، ماذا يفعل؟
على القول بوجوب الترتيب لا يصح منه أن يدخل معهم بنية العشاء ثم يصلي بعدها المغرب، فهذا جمع غير صحيح.
إذن ماذا يفعل؟
يدخل مع الإمام بنية المغرب حتى إذا قام الإمام إلى الرابعة جلس المسبوق ويتشهد ويسلم، ثم يقوم يدرك مع الإمام ركعة من العشاء ويتم صلاته بعد سلام الإمام، وهكذا يكون قد راعى الترتيب بين المغرب والعشاء.
ولكن ينبغي أن يُعلم بأن هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل يجوز اختلاف نية الإمام مع المأموم؟
وهي مسألة خلافية مشهورة: فالشافعية يجيزون ذلك بخلاف المالكية.
4 -الموالاة: أي أن العشاء لا بد أن تقع بعد المغرب مباشرة دون فصل طويل بينهما، فلو فصل بينهما بصلاة سواء كانت راتبة أو فريضة فائتة فلا يصح الجمع.
ولا يؤثر في الموالاة الفصل بينهما بإقامة للثانية أو وضوء خفيف.
وهذا مذهب المالكية سواء كان الجمع في وقت الأولى أو الثانية.
وأما الشافعية فيشترطون الموالاة عند جمع التقديم فقط.
وذهب شيخ الاسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (24/ 54) إلى أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، وعلَّل ذلك بأنه ليس لذلك حدٌّ في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يُسقط مقصود الرخصة.
مسألة: متى تُصلى سُنَّة المغرب وسُنَّة العشاء البعدية والوتر؟
-أما سُنَّة المغرب والعشاء البعدية فتصلى عند الفراغ من صلاة العشاء، وهو مذهب الجمهور.
قال الامام النووي: (وفي جمع العشاء والمغرب يصلي الفريضتين ثم سُنَّة المغرب ثم سُنَّة العشاء) .
والأفضل أن تُصلى هذه السُنَّة في البيت وليس في المسجد، وهو المشهور عند المالكية.
قال المازري في"شرح التلقين": (وأما التنفل بعدهما، فقد قال الإمام مالك: لا يتنفل بعد العشاء في المسجد، وقال أيضا: لا يوترون في المسجد، ولكن في منازلهم بعد مغيب الشفق، فأما التنفل بعد العشاء، فيمكن أن يكون نهى عنه لأنه إنما أبيح الجمع لينصرف الناس إلى منازلهم قبل الظلمة الشديدة، وفي التأخير للتنفل وقوع فيها) .
وقال ابن جُزي في"القوانين الفقهية": (ولا يتنفل بين الصلاتين ليلة الجمع ولا بعدهما في المسجد ولا يوتر حتى يغيب الشفق) .
-وأما صلاة الوتر: فعند المالكية: الأفضل أن تُصلى بعد مغيب الشفق، أي: بعد دخول وقت العشاء، وتُصلى في البيت.
وعند الشافعية والحنابلة: أن الوتر يُصلى بعد الفراغ من صلاة العشاء، وهو قول بعض المالكية كابن عبد الحكم وعبد الحق.
5 -أن يكون العذر المبيح للجمع موجودا عند الشروع في الصلاة الأولى، وهو مذهب المالكية.
نكتفي اليوم بهذا القدر على أن تكون لنا عودة لتتمة هذا البحث في يوم الغد ان شاء الله تعالى.
(يُتْبَعُ)