2.عن رافع بن سنان رضي الله عنه: أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: ابْنَتِي فَطِيمٌ، وَقَالَ رَافِعٌ رضي الله عنه: ابْنَتِي؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم لِرَافِعٍ رضي الله عنه:"اقْعُدْ نَاحِيَةً"، وَقَالَ لامْرَأَتِهِ:"اقْعُدِي نَاحِيَةً"، قَالَ: وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ:"ادْعُوَاهَا"؛ فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم:"اللهُمَّ اهْدِهَا"، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا (8) .
وجه الدلالة: الحديث نص في المسألة.
ثانيًا: الأثر:
عن عبد الرحمن بن غنم رحمه الله: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خَيَّرَ غُلامًَا بَيْنَ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ (9) .
وثبت مثل ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه (10) .
وجه الدلالة: في ثبوت التخيير عن بعض الصحابة رضوان الله عنهم دليل على جوازه، وخاصة أنه لم يعلم لهم مخالف، فكان إجماعًا (11) .
ثالثًا: المعقول:
1.إن الأم في حال صغر الطفل، قُدمت لحاجته إلى حمله، ومباشرة خدمته؛ لأنها أعرف بذلك، وأقوم به، فإذا استغنى عن ذلك تساوى والداه، لقربهما منه، فرجح بينهما باختياره؛ لأن المصلحة له (12) .
2.لما كانت الحضانة من باب النظر للولد، قدم قبل التمييز من هو عليه أشفق؛ لأن حظ الولد عنده أكثر، فإذا بلغ الغلام حدًا يُعرب فيه عن نفسه، ويميز بين الإكرام، وضده، فمال إلى أحد أبويه، دل ذلك على أنه أرفق به، وأشفق عليه، فيُقدم، وقيدناه بسن السَّبْع؛ لأنها أول حالٍ أمر الشرع فيها بمخاطبته بالأمر بالصلاة (13) .
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون إن التخيير للغلام دون الجارية بالسنة، والمعقول:
أولًا: السنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم خَيَّرَ غُلامًَا بَيْنَ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ (14) .
وجه الدلالة: إن هذه قضية في واقعة معينة، حيث ورد النص خاصًا في الغلام، ولم يرد عامًا في التخيير، فيبقى على ما ورد به النص، والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف (15) .
ويرد عليه: إن ورود النص في الغلام لا ينفي جوازه في الجارية، وخاصة أن النص لم يقيد الحكم بالغلام، وإنما تم الحكم على حسب الواقعة، فيبقي مبدأ التخيير ثابتًا دون تفريق بين الغلام، والجارية، وحديث تخيير الجارية صححه الحاكم كما مر.
ثانيًا: المعقول:
1.إن تخيير الصبي بين والديه تخيير شهوة، حيث يختار الصبي أحد أبويه وفق شهوته، ثم بعد فترة يغير اختياره على حسب الشهوة، وهذا لا يؤثر في حق الغلام، أما الجارية، فإنها إذا خيرت، فكانت عند الأب تارة، وعند الأم تارة، أدى ذلك إلى كثرة بروزها، وبالتالي تبرجها، ومن ثم الافتتان بها (16) .
ويرد عليه: إن خروج البنت من بيتها ليس ممنوعًا، طالما تقيدت باللباس الشرعي، فإذا تم ذلك لم يكن خوف عليها؛ إضافة إلى أنها لو كانت عند أبيها، فلن تنتهي العلة التي ذكرتم؛ لأن لأمها حق فيها، وقد لا ترضى بالذهاب إلى بيت مطلقها، مما يدعو إلى ذهاب البنت لأمها، فتبرز وتتحقق نفس العلة التي في الأب.
2.إن تقلب البنت بين أبويها يؤدي إلى ضياعها؛ لأن ما يتناوب الناس على حفظه ضاع، والقدر لا يصلح بين طباخين (17) .
ويرد عليه: إن هذا الأمر لا يختص بالجارية، فهو متحقق أيضًا في الغلام، ولو سلم لكم هذا القول، فإن الذي يعيش بين والديه في بيت واحد، سيكون أكثر عرضة للضياع، ولكن الأصل أن يعمل كلا الوالدين على مراعاة مصلحة أولادهما، سواء كانا في بيت الزوجية، أم في حال الفراق.
الراجح:
بعد النظر في الأقوال السابقة وأدلة كل قول يتبين رجحان القول الثاني القائل بثبوت التخيير للولد ـ ذكرًا، أو أنثى ـ بين والديه، وذلك لما يلي:
1.قوة الأدلة التي استندوا إليها، وخاصة ورود الأحاديث الصحيحة عن النبي صلي الله عليه وسلم في تخيير الغلام، والجارية بين والديهما، وورد ذلك أيضًا عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، بدون مخالف لهم، مما يدل على كونه إجماعًا لديهم، وهم أدرى بالتشريع من غيرهم.
(يُتْبَعُ)