وروى مسلم في صحيحه (2699) عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» .
والعلم سبب لعصمة المسلم من الزلل، فقد روى البخاري في صحيحه (4425) ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي الله بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» .
فهذا حديث واحد حفظه أبو بكرة - رضي الله عنه- من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سببًا في عصمته من الخطأ، فكلُّ دعوةٍ تقوم على غير علم فمآلها إلى الفشل، وهي على غير هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودعوته، وإن اجتهد أهلها، وبذلوا فيها الجهد والمال، فقد قال عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ
الْمُشْرِكِين )) .
ومن ترأس على المسلمين، وهو جاهل بشرع الله عزوجل فهو يضر نفسَّه وغيرَه، فقد روى البخاري في صحيحه (100) ، ومسلم (2673) من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الله لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» .
فإذا كان الضلال للتابع والمتبوع نصيب من لم يرجع إلى العلماء ويقدمهم، ويستفيد من علمهم، ويجتهد في صرف الناس إليهم للاستفادة من علمهم، فما يتوقع أن يكون جزاءُ من يحذر المسلمين من العلم والعلماء، بزعم أن الإقبال على العلم مما يصرف الناس على الاجتهاد في دعوة الناس، وهذا تناقض عجيب!
فأيُّ دعوةٍ هذه التي تقوم على تحذير الناس من العلم والعلماء؟!
لقد روى البخاري في صحيحه (66) ، ومسلم (2176) ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- وَذَهَبَ وَاحِدٌ قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ، عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ الله، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا الله مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عَنْهُ» .
فمن الذي يريد أن يجتهد في دعوة الناس، ثم تكون حصيلته إعراض الله عنه؟!
(يُتْبَعُ)