فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و هذا التفصيل هو الحق المعقول، و معلوم أن الكذوب قد يصدق، فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه و استأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا - بل لم يكن لنا - أن نصدقَه حيث لم يتبين لنا صدقه، فكيف إذا تبين لنا كذبه؟ )) .
36 -فصل نفيس يتعلق برواية من تلبس بنوع هوى:
قال ص 289 - 290: (( فأقول: قد عرف المحدثون هذا - يعني الكذب تشيعًا للمذاهب و تزلفًا لأصحاب المراتب - و عدةَ أسباب أخرى أشاروا إليها في البواعث على الوضع.
و إنما الفرق بينهم و بين بعض من يتعاطى النقد في عصرنا أنَّ المحدثينَ علموا أن هذين الداعيين - مثلا - لا يدعوان إلى الكذب لأنه كذب، و إنما يدعو الأول إلى ذكر ما يؤيد المذهب، و الثاني إلى ذكر ما يرضي ذا المرتبة، و إنَّ كلا من التأييد و الإرضاء ليس وقفًا على الكذب، بل يمكن أن يقع بما هو صدق، إذن فالمخبر بما يؤيد مذهبه أو يرضي رئيسه يجوز مع صرف النظر عن الأمور الأخرى أنْ يكون صادقًا و أنْ يكون كاذبًا، فالحكم بأحدهما لوجود الداعي غير سائغ، بل يجب النظر في الأمور الأخرى و منها الموانع، فإذا وجد داع و مانع و انحصر النظر فيهما تعين الأخذ بالأقوى، و كل من الدواعي و الموانع تتفاوت قوته في الأفراد تفاوتًا عظيمًا، فلا بد من مراعاة ذلك، و من تدبرَ هذا علمَ أنه الحق لا ريب فيه، و أنه يرى شواهده في نفسه و في من حواليه، و علم أنَّ ما يسلكه بعض متعاطي النقد من أهل العصر في اتهام بعض أفاضل المتقدمين بالكذب لوجود بعض الدواعي عندهم في الجملة تهورٌ مؤسفٌ.
أما أئمة الحديث فقد عرفوا الرواة و خبروهم و عرفوا أحوالهم و أخبارهم و اعتبروا مروياتهم كما تقدم في مواضع ... فمن وثقه المتثبتون منهم فمحاولة بعض العصريين اتهامه لأنه كان - مثلا - يتشيع أو يخالط بني أمية أو نحو ذلك لغوٌ لا يرتضيه العارفُ البتة.
هذا حكم يقبله علماء السنة لهم و عليهم، ألا ترى أنَّ مسلمًا صحح حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زِرٍّ قال: قال عليٌّ: (و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليّ أنْ لا يحبني إلا مؤمن و لا يبغضني إلا منافق) ، و لا أعلم أحدًا طعن فيه، مع أنََّ عدي بن ثابت معروف بالتشيع، بل وصفه بعضهم بالغلو فيه، و كان إمام مسجد الشيعة و قاصهم، و البخاري و إن لم يخرج هذا الحديث فقد احتج بعدي بن ثابت في عدة أحاديث، و لو كان يتهمه بكذب ما في الرواية لما احتج به البتة )) .
37 -عادة مسلم في ترتيب روايات الحديث في صحيحه:
قال 28 - 29: (( و ذكر - يعني أبا رية - قصة التأبير، فدونك تحقيقها:
أخرج مسلمٌ في"صحيحه"من حديث طلحة قال: (( مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال:(ما يصنع هؤلاء؟) فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أظن يغني ذلك شيئًا) . قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، و لكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لنْ أكذب على اللهِ - عز و جل -) .
ثم أخرجه عن رافع بن خديج و فيه: فقال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) ، فتركوه فنقضت .. فقال: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به و إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) قال عكرمة: أو نحو هذا.
ثم أخرجه عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، و عن ثابت عن أنس، و فيه: فقال: (لو لم تفعلوا لصلح) ، و قال في آخره: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) .
عادة مسلم أنْ يرتبَ روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح.
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة: (ما أظن يغني ذلك شيئًا) إخبار عن ظنه، و كذلك كان ظنُّه، فالخبر صدق قطعًا، و خطأُ الظنِّ ليس كذبًا.
و في معناه قوله في حديث رافع: (لعلكم ... ) و ذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد، لأنَّ حمادًا كانَ يخطيء )) .
و قال ص 230 - 231: (( قال - يعني أبا رية: (و روى مسلمٌ عن أنس بن مالك أنَّ رجلا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: متى تقوم الساعة؟ قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزْد شنوءة فقال:(إنْ عمَّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة) ، قال أنسٌ: ذاك الغلام منْ أترابي يومئذٍ ).
أقول: من عادة مسلمٍ في"صحيحه"أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدم الأصح فالأصح [1] ، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمالٌ أو خطأ تبينه الرواية المقدمة.
ففي ذاك الموضع قدَّم حديثَ عائشة: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: (إنْ يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم) .
و هذا في"صحيح البخاري"بلفظ: كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: (إنْ يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم) قال هشامٌ: يعني موتهم.
ثم ذكر مسلمٌ حديثَ أنسٍ بلفظ: (إنْ يعش هذا الغلام فعسى أنْ لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة) ، ثم ذكره باللفظ الذي حكاه أبو رية، و راجع"فتح الباري"11\ 313 )) .
الحاشية [1] : علق العلامة المعلمي على هذا الموضع بقوله في الحاشية: (( قد مرَّ مثال لهذا ص 18 ) )، يعني ص 29 من المطبوع و هو المثال الأول هنا.
و قد تمت هذه الفوائد النفيسة، فليتذكر قراؤها العلامة المعلمي - رحمه الله تعالى - و جامعها العبد الفقير بالدعاء.
هذا و الله تعالى أعلم، و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم، و الحمد لله رب العالمين.
(يُتْبَعُ)