فالبعض ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، أو فعل كذا، أو أقر بكذا، ويتهاون في نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما ترخص البعض في نسبة الأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجة أنه لم يتيقن ضعفه، وهذا لا شك أنه غير محمود، وغير جار على مقتضى الأدلة الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لابد من إقامة الدليل على صحة المنقول، وإلا فالاستدلال بما لا يثبت مقدماته باطل بالاتفاق، وهو من القول بلا علم، ومن قفو الإنسان ما ليس له به علم، ومن المحاجة بغير علم.
قال الإمام أحمد رحمه الله: للناس أحاديث يتحدثون بها على أبواب دورهم ما سمعنا بشيء منها، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لم نعلم، والقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عليه.
الثاني: الأحاديث الضعيفة عمدة المبتدعة والجهلة.
فالجهلة يريدون دعوة الناس وهدايتهم بغير علم، فهؤلاء لا خبرة لهم بالمنقولات فضلا عن تمييز صحيحها من ضعيفها، فحظ أحدهم بضعة أحاديث وقصص سمعها فهو يقذف بها إلى الناس وينسبها إلى الشرع، ولذلك كانت عامة أحاديث الجهال القصاص ضعيفة أو موضوعة.
والمبتدعة كذلك عمدتهم الضعيف، لأن البدعة لا يمكن أن يدل عليها خبر صحيح، فالمبتدعة إنما ضلوا عن الحق إما من جهة الاعتماد على ما لم يثبت أصلا، أو من جهة تأويل الصحيح تأويلا فاسدا.
فلذلك لا تجد للمبتدعة عناية بطرق تمييز المنقولات، وكلما كان المبتدعة أبعد عن السنة كانوا أكثر تعلقا واستدلالا بالضعيف والموضوع.
الثالث: لا تجوز رواية الضعيف بدون بيان ضعفه.
انصرفت همم جهابذة علماء الحديث إلى صيانة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ صحيحها، وتمييز السقيم والتنبيه عليه، نصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وخاصتهم وعامتهم، ولذلك حفظوا الأسانيد وتكلموا في الرواة، وتقربوا إلى الله بذلك وشغلوا أوقاتهم، وافنوا أعمارهم في سبيل ذلك.
واشتد نكير العلماء على من حدث بالضعيف من دون أن يشير إلى ضعفه أو يحيل على إسناده حيث يتبين صحته من ضعفه.
وكان الإمام أحمد يرى رواية الضعيف والاحتجاج به معصية، ويأمر من وقع منه ذلك بالاستغفار، قال أبو عيسى الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجمعة، فذكر فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم، فقلت: فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث.
فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! قلت: نعم، حدثنا حجاج بن نصير، أنا المعارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، قال: فغضب أحمد وقال: استغفر ربك، استغفر ربك. مرتين.
قال أبو عيسى: وإنما فعل أحمد هذا لأنه لم يصدق هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لضعف إسناده.
الرابع: أسباب وقوع الضعيف في المصنفات الحديثية.
وتتلخص في أمور أربعة وهي:
1)معرفة مخرج الضعيف:
أئمة الجرح والتعديل حفظوا لنا أسانيد الأحاديث الضعيفة حتى إذا تقادم الزمن، لم يستطع مبتدع أو مفتر أن يحتج لبدعته أو ضلالته بحديث يختلقه أو يفتريه.
فمن اجل هذا كتب العلماء الأحاديث الضعيفة من باب التعريف بها لا من باب الاحتجاج بها.
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: وللائمة رضي الله عنهم في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه، والمنفرد به عدل أو مجروح.
2)الذهول:
قد يقع الحديث الضعيف في مصنفات بعض أهل العم ليس لكونهم يرون العمل بالضعيف ويحتجون به، بل ذهولا عن مواطن الضعف وأسباب الرد، من حيث لا يشعرون، ذهولا منهم عن مواطن الضعف، واعتقاد منهم أن الحديث اجتمعت فيه شروط الصحة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: فإن بعض من صنف الأبواب قد اخرج فيها الأحاديث الضعيفة بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد.
3)ليس في الباب غيره، أو لا يعرف الحديث إلا من ذلك الوجه الضعيف:
يورد بعض أئمة الحديث الضعيف في مصنفاتهم، وربما كان أحيانا فيما يتشددون فيه كأحاديث الأحكام، وهذا إنما هو من باب الضرورة، إذا لم يكن في الباب غيره، أو لا يعرفه من ساقه إلا من ذلك الطريق، ولان القول به أهون من أقوال وآراء الرجال.
4)رواية كل ما في الباب: وجرى عمل بعض أهل العلم في أنه يروي كل ما أسند في الموضوع الذي يجمع فيه، لأنه لم يقصد جمع الصحيح، ولأنه قد أظهر إسناده، فأحال على الإسناد ليتبين الناس مواطن العلل، ويميزوا بين الصحيح والضعيف.
فهذه هي الأسباب والبواعث على وقوع الضعيف في المصنفات الحديثية، وإذا كان المتقدمون معذورين وأغراضهم صحيحة، ولم يفعل أحد منهم ذلك تعمية على الخلق، ولا ترويجا للضعيف، ولا بناءا للعبادات والأحكام على الواهيات، فليس لأحد أن يتعلل بإيراد الضعيف من غير بيان ضعفه بما تعلل به المتقدمون، فأسانيد الأحاديث قد حفظها المتقدمون، ودونوها في الأغراض السابق ذكرها، وكفونا المؤنة في ذلك، فالأسباب في حقنا منتفية، فلا عذر لأحد في ذلك إلا على سبيل الذهول أو الخطأ عن مواطن الضعف في الحديث المظنون صحته.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضا، هو الفرق بين كتابة الحديث وروايته، فالأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء للأغراض المذكورة، ولم يرووها فلا يجوز الاحتجاج بالكتابة على الرواية قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: فرق بين كتابة حديث الضعيف وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها ولم يرووها.
يتبع
(يُتْبَعُ)