ـ [السكران التميمي] ــــــــ [26 - Feb-2009, مساء 09:34] ـ
(الحلقة الثانية)
الخامس: استغناء الشريعة عن الأحاديث الضعيفة.
فأدلة الشرع الصحيحة ولله الحمد فيها كفاية، ولذلك قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: في صحيح الحديث شغل عن سقيمه.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله: الأخبار الصحاح من رواية الثقات، وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع.
وقال ابن حجر رحمه الله: والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب.
والأحاديث الضعيفة هي التي أوقعت الناس في البدع، وأفسدت على الناس عباداتهم وشغلتهم عن الصحيح المشروع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدعة إما من الأدعية، وإما من الأشعار، وإما من السماعات ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، أعني إعراض قلوبهم؛ وإن قاموا بصورة المشروع.
السادس: الاحتياط في ترك رواية الضعيف والعمل به.
لا يجوز أن يتعبد الناس بأحاديث الضعفاء، ولا يعتمد في الشريعة على أحاديث لم تثبت بالطرق المعروفة، وما حفظها الثقات، وإنما جاءت من طرق ضعيفة لا أركان ولا قوائم لها.
قال ابن دحية الكلبي: الاحتياط في رواية الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم واجب، وغن نقلها بغير ثبوت السند ومعرفة الصحة حرام.
فما علم ضعفه وعدم صحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبناء الأحكام أو الأعمال عليها أعظم جرما من القول على الله بغير علم، قال شيخنا العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله: ولا يحل لنا أن نسند حكما في شريعة الله إلى دليل ضعيف، لأن هذا من القول على الله بما نعلم أنه لا يصح عن الله، وليس بلا علم، بل أشد، لأننا إذا أثبتنا حكما في حديث ضعيف، فهذا أشد من القول على الله بلا علم، لأننا أثبتنا ما نعلم أنه لا يصح.
والاحتياط هو مذهب الصحابة والتابعين، ونصوصهم في ذلك أكثر من أن نسطرها هنا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: اشتهر أن أهل العلم يتسمحون في إيراد الأحاديث في الفضائل، وغن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعة، وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشهر ذلك لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد ابن عبد السلام وغيره.
وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم:"من حدث عني بحديث رأى أنه كذب فهو أحد الكذابين".
فتأمل شرط ابن حجر وقوله (وأن لا يشهر) فهو يقتضي عدم روايته وتحديث الناس به لئلا يشهر، ومع الأسف فإن كثير ممن نقل شروط ابن حجر في إيراد الأحاديث الضعيفة في الفضائل لا يذكر شرطه هذا.
ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن ابن حجر رحمه الله لما ذكر الشروط في رواية أو إيراد الضعيف في الفضائل لم يسنده إلى أحد من المتقدمين، بل إن عبارات المتقدمين التي تم ذكر بعضها في مبحث استغناء الشريعة عن الأحاديث الضعيفة، تدل على عدم الحاجة إلى الضعيف مطلقا. واشتراط أن يكون للمروي الضعيف أصل صحيح هو في الحقيقة مؤيد لما ذكر من الاستغناء عن الضعيف، بل هو إلغاء للضعيف وإحالة إلى الصحيح. فتأمل ذلك.
السابع: لا خصوصية للضعيف بالفضائل.
من رخص في الاحتجاج والعمل بالضعيف إنما رخص فيه في فضائل الأعمال والقصص وأحاديث الترغيب والترهيب، ومنع من الاحتجاج به في الأحكام والعقائد.
وهذا الكلام عليه استدراكات كثيرة:
أولا: إنه على الرغم من دعوى قصر الاحتجاج بالضعيف في الفضائل والتشدد في أحاديث الأحكام، إلا أن الواقع أن الضعيف سرى إلى الأحكام أيضا، قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: وقد كتب أئمة الحديث كتبا كثيرة بينوا فيها كثير من الأحاديث الموضوعة المنتشرة في الوجود قد عمل بها كثير من الفقهاء الذين لا علم عندهم برجال الحديث.
ثانيا: إن العلماء انصرفت جهودهم إلى التفتيش عن أسانيد أحاديث الأحكام أكثر، إنما هو بسبب مسيس حاجة الناس إلى ذلك، فالفقه قوام دين الإسلام، دون أن يعني ذلك اختصاص الضعيف بالفضائل.
ثالثا: إن هذا الترخيص بالاحتجاج بالضعيف ليس محل إجماع، وإن جازف بزعم ذلك الشيخ علي القاري، والقائلون بعدم جواز الاحتجاج بالضعيف أئمة كثيرون، بل هم فرسان علم الحديث، وعلى رأسهم الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله، إذ قال: وغنما الزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله معلقا على هذا الكلام: وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام.
وليس مع من رخص بالاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال دليل من الشرع بل المانعون أسعد بالدليل، فمن فرق فعليه أن يقدم الدليل.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل، إذ الكل شرع.
وغاية ما تعلق به المفرقون بين الفضائل والأحكام هو الاعتزاء بأقوال بعض المتقدمين، وهو في الحقيقة لا يراد به ما فهمه هؤلاء كما سيأتي.
رابعا: إن الناس تختلف أنظارهم في استنباط الأحكام في الأحاديث، فالبعض قد يستنبط من أحاديث الفضائل بعض الأحكام، وهي قد لا تظهر لغيره. كما قد أشار إليه أبو الحسن ابن القطان رحمه الله.
خامسا: ثواب وفضائل الأعمال مرتبط ارتباطا واضحا بينا بالعقيدة، وهذه العلاقة وهذا الارتباط بين الفضائل والاعتقاد عام لنوعي الاعتقاد: اعتقاد الفعل، واعتقاد الحكم. وقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بما لا مزيد عليه في (الفتاوى 19/ 132) .
يتبع
(يُتْبَعُ)