ومما يقرر صنيع أهل العلم ويؤكد أن (المنكر) عندهم هو الخطأ مهما كان حال راويه المخطئ فيه: أنه وكما لا يخفى على فاهم لهذا العلم أن أئمة الحديث يسبق نقدهم للرواية سندا ومتنًا نقدهم للرواة جرحا وتعديلا، فهم لكي يتحققوا من ثقة الراوي أو ضعفه؛ ينظرون في أحاديثه ورواياته؛ فإذا وجدوا أغلبها مستقيمة، موافقة لما يرويه الثقات الأثبات، استدلوا بذلك على أنه ثقة. وإن كان أغلبها مخالفا لروايات الثقات الأثبات، أو ليس لها أصل عندهم؛ استدلوا بذلك على ضعفه وسوء حفظه.
ثم ساق الأمثلة على هذا.
· ثم قال أيده الله موجها قول ابن حجر في التفريق بينهما:
ولعله إنما اعتمد في قوله هذا على: ما روي عن الإمام الشافعي رحمه الله؛ حيث روي عنه أنه قال: (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لا يرويه غيره؛ إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس) .
وكلام الإمام الشافعي هذا ليس فيه ما يدل على اشتراط أن يكون راوي الحديث (الشاذ) ثقة.
لاشك أنه إذا كان ثقة وقد خالفه الناس؛ فإنه يسمى (شاذا) ، ولكن البحث هنا: هل لا بد لكي يوصف الحديث بأنه (شاذ) أن يكون راويه ثقة؟ أم أن الراوي الضعيف أيضا يسمى حديثه (شاذ) ؛ إذا ثبت خطؤه فيه؟
والمتأمل لكلام الإمام الشافعي هذا، يظهر له أنه إنما قال ذلك الكلام مقابلا به قولا ربما قيل بحضرته، أو في مجلس من مجالسه التي كان يعقدها للمناظرة؛ فكأن بعض من خالفه رد عليه حديثا احتج به؛ بأنه تفرد به ثقة _ فهو حديث شاذ _؛ فأراد الإمام الشافعي أن يرد هذه الشبهة على صاحبها؛ فقال كلامه المذكور.
وهذا الذي فهمته من كلام الإمام الشافعي استظهارًا؛ قد رأيت الإمام ابن القيم رحمه الله قد سبقني إليه، فالحمد لله على ما أنعم به وأكرم، وذلك في كتابه (إغاثة اللهفان 1/ 327) .
ثم أخذ يسرد بيان وجه كلام الإمام الشافعي وأنه موافق لغيره من الأئمة
· ثم قال أيده الله:
ونحن نجد في استعمال أئمة الحديث الذين غلب على استعمالهم مصطلح (الشاذ) في التعبير عن الخطأ؛ نجد في تعريفهم للشاذ ما يصدق عليه اسم (المنكر) .
بمعنى: أننا نجدهم يستعملون (الشاذ) على أخطاء الثقات وأخطاء الضعفاء، غير متقيدين بأن يكون (الشاذ) مختصا بأحاديث الثقات، و (المنكر) بأحاديث الضعفاء.
ثم سرد كلام أهل العلم في ذلك والأمثلة عليه.
إذا عرفنا أن هذا التفريق لا يعرف قبل الحافظ ابن حجر، وأن هذا التقييد أيضا لا يعرف، وأن المعروف عند أهل العلم: إطلاق (المنكر) على الخطأ، مهما كان المخطئ _ ثقة أو غير ثقة _، ومهما كان متفردا بما أخطأ فيه، أم مخالفا غيره، وأن (الشاذ) و (المنكر) سواء.
وقد رد أيده الله الدليل الذي استدل به الحافظ على مثال (المنكر) الذي على شرطه هو، وفنده تفنيدا عظيمًا.
والحمد لله أولا وآخرا.
ـ [العطاب الحميري] ــــــــ [09 - Aug-2009, مساء 05:35] ـ
لقد طبعتُ ما تفضلتَ بكتابته وتأملته فألفيته كلام محقق عارف بالصنعة
والشيخ طارق من أهل الصناعة البارعين
بارك الله فيك أبا عصام
وبارك الله في الشيخ طارق ..
وثم تعليق سريع
قال الشيخ وفقه الله: (وأن المعروف عند أهل العلم: إطلاق(المنكر) على الخطأ ))
ولعل الصواب والعلم عند الله أن المنكر عند النقاد هو الخطأ الذي يستفحشه الناقد في قرارة نفسه لا كل خطأ ...
أي أن الإستفحاش نسبي ...
فما يستفحشه ناقد قد لا يستفحشه ناقد آخر
واللغة تؤيد ذلك ...
والأمر سهل ..