فهرس الكتاب

الصفحة 9618 من 27809

خَوْفًا أَنْ يَسْتَشْعِرَ وَيَتَوَهَّم، فَهَوَّنْتُ الأَمْرَ عَلَيهِ، فَجَعَلَ يَحُادِثُنِي ونَحْنُ نَمْشِي، ثمَّ دَخَلَ إَلَى بَيْتِه في المدرسةِ فَأَخْرَجَ الجرَّةَ والإبْريقَ والكانُونَ وجميعَ حوائِجِهِ!، فَعَلِمْتُ أنهُ قدْ أثَّرَ مَعَهُ، فَسَكَّنْتُهُ ثم أَقَمْتُ علَيْهِ منْ يُعالِجُهُ ويُطْعِمُهُ الهرِيسَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فواظبَ ذلكَ إلَى أنْ سَكَنَ عَنْه، ثُم غلَبَ عليه الأَدَبُ وأَثّرَ الذكاءُ مَعهُ في الشِّعْرِ، فكانَ ينظِمُ شِعْرًا جيدًا إلَى الغاية، وجاءَ إلينا إِلَى حَلَبٍ؛ ونَزَلَ عِنْدَنَا بالمدرسَة. انتهى.

ومِمَّنْ أصيبَ بِسببِ شُربِه: أبو الطيبِالشهابُ الحِجازِيُّأحمدُ بنُ مُحمد بنِ عَلِي الخزْرَجِيُّ الشافِعِيُّ المُقْرِئُ؛ ترجَمَ له السخاويُّ في الضوءِ اللامع؛ وذكَرَ أنهُ غلبَ عليهِ الانشغالُ بالأدب؛ وأنه صنَّفَ كتابًا فيما وقعَ في القرآنِ على أَوزانِ البُحور!؛ قالَ: وَلمَ يَزَلْ مُتَقَدِّمًا فِي الذكاءِ وسُرْعَةِ الحِفْظِ إِلَى أَنْ تَعاطَى حَبَّ (البلاذُرِ) وأكْثرَ مِنْهُ بِحَيْثُ كانتْ سَلامُتُهُ علَى غَيْرِ القياسِ!، قالَ: ومِنْ ثَمَّ صِرْتُ لا أَحْفَظُ إلا بِتَكَلُّفٍ زائِدٍ؛ وأَعْقَبَنِي ذلكَ فِي السنَةِ المسْتَقْبَلَةِ حرارَةٌ خَرَجَ فِي بَدَنِي مِنْها أَزْيَدُ مِنْ مائَةِ دُمَّلٍ؛ واحْمَرَّتْ؛ واسْتَمَرَّتِ الدمامِيلُ تَعْترينِي كلَّ قليل؛ بلِ انْقَطَعْتُ عَنِ القرَاءَةِ بِسَبَبِ تعاطِيهِ مُدة.

ومنهم: شَعْبانُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ داودَ المِصْرِيُّ؛ ذكرهُ ابنُ حجرٍ في إنباءِ الغَمر؛ وقال: ثُمَّ اتّفَقَ أّنّهُ شربَ (البلاذُرَ) فَحَصَلَ لَهُ طَرَفُ نَشّافٍ، وأقامَ مُدَّةً عاريًا مِنَ الثيابِ والعِمَامَةِ!؛ ثُمَّ تَمَاثَلَ قليلًا وَطَلَبَ العِلْمَ. ثمَّ ذكرَ لهُ ابنُ حجرٍ أطوارًا غريبَةً وأحوالًا عجِيبَةً إلى وفاتِهِ سنَةَ (827) ، نسألُ اللهَ العافِيةَ؛ ونَعُوذُ بهِ مِن هذا (البلاذُرِ) وما يَجِيءُ به مِن البلاء.

ومِنهم: عبدُ الرّحْمَنِ بنُ مُحَمّد بنِ مُحَمَّد بنِ هِنْدَوَيْهِ: سَمِعَ مِنْ أَبِي الحُسينِ بنِ أبِي الطُّيُورِيِّ وطَبَقَتِه؛ قال ابنُ الجَوْزِيِّ: أَكَلَ (البلادُرَ) فَتَغَيَّرَ عَقْلُهُ!، وماتَ سَنَةَ سَبْعٍ وثلاثِينَ وخَمْسِ مائَةٍ. انتهى. وترجمتهُ في لسان الميزان.

ومِنْهم: أحمدُ بنُ يَحْيَى بنِ جابِر بنِ داودَ البلاذُرِيُّ المُؤرِّخُ المشهُورُ صَاحبُ التصانِيفِ، له ترجَمَةٌ في لسانِ الميزانِ وغيره؛ وَقَالَ ابنُ الندِيمِ فِي الفِهْرِسْتِ: وَسْوَسَ فِي أَيَّامِهِ؛ فَشُدَّ فِي الْمَرِسْتانَ وَماَتَ فِيه؛ وكانَ سَبَبُ ذلكَ أَنَّهُ شَرِبَ (البلاذُرَ) عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ؛ فَلَحِقَهُ ما لَحِقَه!؛ ولهذا قِيلَ لهُ البلاذُرِيُّ!.

وفي وفِيَّاتِ الأعْيانِ لابنِ خَلِّكان؛ في ترجَمةِ قاضي حلب أبي المحاسِنِ بن شدّادٍ الشافعي؛ قال: لَمّا كُنّا فِي المدْرَسَةِ النظامية ببغدادَ؛ اتّفَقَ أَرْبَعَةٌ أوْ خَمْسَةٌ مِنَ الفُقهاءِ المشتَغِلِينَ علَى اسْتِعْمالِ حبِّ (البلاذُر) ؛ لأَجْلِ سُرْعَةِ الحِفْظِ والفَهْم؛ فاجْتَمَعُوا بِبَعْضِ الأَطبّاءِ؛ وسأَلُوهُ عَنْ مِقْدارِ ما يَسْتَعْمِلُ الإنسانُ مِنْهُ؛ وكَيْفَ يَسْتعْمِلُهُ؛ ثُمَّ اشْتَرَوُا القَدْرَ الذي قَالَ لَهُم الطبيبُ؛ وشَرِبُوهُ فِي مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ المدرَسَةِ؛ فَحَصَلَ لَهُمُ الْجُنُونُ!؛ وتَفَرَّقُوا وَتَشَتَّتُوا وَلَم يُعْلَمْ ما جَرَى عَليهم؛ وَبَعْدَ أَيامٍ جاءَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ واحِدٌ مِنْهُم؛ وكانَ طَويلًا؛ وَهُوَ عُرْيانٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَعَلَى رَأْسِهِ (بقيارٌ) ؟ كَبِيرُ لَهُ عَذَبَةٌ طَويلَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العَادَةِ؛ وَقَدْ أَلْقاهَا وَرَاءَهُ فَوَصَلَتْ إِلَى كَعْبِه!، وهُوَ ساكِتٌ عَلَيْهِ السكِينَةُ والوَقارُ لا يَتَكَلَّمُ وَلا يَعْبَثُ، فَقامَ إليهِ مَنْ كانَ حاضِرًا مِنَ الفُقَهاءِ وسأَلُوهُ عَنِ الحال، فقالَ لهم: كُنّا قَدْ اجْتَمَعْنَا وشربْنَا حبَّ (البلاذُر) ، فأَمَّا أَصْحابِي فإنّهم جُنُّوا ومَا سَلِمَ مِنْهُمْ إلا أَنا وَحْدِي، وصارَ يُظْهِرُ العقْلَ العظيمَ والسكُونَ، وهمْ يَضْحكُونَ مِنْهُ وهوَ لا يَشْعُرُ بِهم؛ ويعتقِدُ أنه سالِمٌ مما أصابَ أصحابَه، وهو على تلكَ الحالَةِ لاَ يُفَكَّرُ فيهمْ ولا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ. انتهى.

والظاهِرُ مِن هذا كُلِّهِ أنَّ النباتَ المَذكُورَ يَحْتَوي على مادَّةٍ مُخَدِّرَةٍ لَها أثَرٌ على العَقْلِ واللهُ أعلم؛ فإنْ كانَ الأمرُ كذلكَ حَرُمُ تَناوُلُها، وإنْ كانَ مِنْ جِهَةِ السمِّيَّةِ كانَ المْقدارُ الضارُّ مِنها مُحرمًا، لكِنَّ ذلكَ فرعٌ عنْ مَعْرِفَةِ صِفَةِ المادَّةِ والتحَقُّقِ مِنها، فَيْحْتاجُ إلى الرجُوعِ إلى الكُتُبِ المُخْتَصَّةِ بذلكِ، وليسَ ذلكَ الآنَ واسعًا.

وما أطلْنا بِهِ مِن شأنِ هذا الدواءِ لا يَخْلُو مِن فائدَةٍ ونادرَة، وإنْ شِئْتَ فَسَمِّ هذا الجوابَ (الرِّسالَةَ البلاذُرِيَّةَ) ؛ وباللهِ وحدَه التوفيقِ؛ وصلى اللهُ على مُحَمِّدٍ وآلهِ وصَحْبِهِ وسلَّم.

كان الله له

أبو الوليدِ الغزي الأنصاري

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت