الإعفاء معلوم أيضًا، فيبقى التسليم لفهم الصحابة أولى من التسليم لفهم من دونهم.
فإن قيل: إن الصحابة لم يأخذوا إلا في النسك.
قيل: ثبوته في النسك دليل على جوازه خارج النسك؛ ولأن النسك قيد غير مؤثر، كما لو قرأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - سورة في صلاة، وكانت الصلاة في السفر، لايقال: إن ذكر السفر قيد في استحباب قراءة هذه السورة، والدليل على هذا:
أولًا: اللحية لا تعلق لها بالنسك، وإنما النسك في شعر الرأس خاصة، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - النسك من قوله، ومن فعله، وقال: خذوا عني مناسككم، ولم ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيان النسك أن اللحية لها تعلق به، فبطل اعتقاد أن الأخذ منها خاص بالنسك.
وثانيًا: أن السلف فهموا جواز الأخذ منها ملطقًا، ولم يقيدوه في النسك فيما أعلم إلا الشافعية فإنه كرهوه خارج النسك، ولم يحرموه، وعبر بعضهم بالأولى كما هي عبارة العراقي، وقد سقتها عند عرض الأقوال.
ثالثًا: ولأني لا أعرف أحدًا من السلف حرم الأخذ من اللحية مطلقًا، فمن ادعى تحريم أخذ ما زاد من القبضة من فهم السلف فليأت به، ولا أعلم أحدًا قال به إلا من بعض المعاصرين في البلاد النجدية، قاله الشيخ تفقهًا، وقلده طلابه من غير بحث، وهو فهم لم يسبق إليه، ولم يوافق عليه من سائر البلاد الإسلامية، ومن ادعى فهمًا من النص لم يسبق إليه فهو رد عليه، وإني أدعو القوم إلى ترك أقوالهم إلى أقوال السلف، ومن دعانا إلى تقليده تاركين مذهب السلف فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.