القول الثاني:
إن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، وهو اختيار ابن حزم، قال:"وإن رأت العجوز المسنة دمًا أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرناه قبل بإسناده:"إن دم الحيض أسود يعرف". وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأته بترك الصلاة، وقوله عليه السلام في الحديث:"هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضًا، كما جاء به النص في الحامل، فإن ذكروا قول الله عز وجل {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [1] . قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعًا من أن يحدث الله تعالى لهن حيضًا، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال تعالى {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [2] فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعًا من أن ينكحن بلا خلاف من أحد ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحًا، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من"
(1) الطلاق، آية: 4.
(2) النور، آية: 60.