وإذنْ فيه ليلة تاريخية، نَذكُر بها كلما جاءت شهرَها، بل نَذكرها بشهرِها، ونذكر بها نعمة الله على الناس كافَّة بهذا القرآن الكريم، وأن معنى"القدْر"الشرَف والعَظمة، فهي ليلة اكتسبتْ ذلك بما أُنزل فيها، وإنَّ ليلةً ينزل فيها القرآن ويتجلَّى فيها ربُّ العِزَّة والجلال على الناس ـ فيبعث إليهم الهُدى مِن السماء، يرشد ضالُّهم، ويعلم جاهلهم، ويُنظم شُؤونهم، ويرسم لهم طرق المجد، ويَفُكُّ عنهم إصْرَهُمْ وأغلالهم ـ إن ليلةً هذا شأنُها، لجديرة بالتفخيم والتعظيم وجديرة بإحيائها، وبَذْلِ الجهود في شُكر الله على آثارها، وقد صوَّر اللهُ لنا عظمتها بهذا الاستفهام الدالِّ على جلالها (ومَا أدْرَاكَ مَا لَيْلةُ القَدْرِ) . وبتكرار كلمة"القدْر"ثلاث مرات تكرارًا يملأ النفس رَوْعَةً (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في ليلةِ القَدْرِ ومَا أدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ) . وبهذا التفضيل الذي لم يستعمل أسلوبه في فضْل شيءٍ غيرها (خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) . ألف شهر رمز للكثْرة التي لا يأْلَفها المُخاطبون، فتذهب نُفوسهم في حقيقتها كل مذهب مُمكن. لم يقف القرآن في تصوير عظمتها عند هذا الحد، بل راح يذكر شيئًا غيْبِيًّا يتصل بنُزول الملائكة وبينهم الروح الأمين"حفاوة السماء بالأرض"واطمئنان الأرواح الخيِّرة على أن شمس الهداية التي ترجوها لبنِي الإنسان، قد آذنت بإشراق، وأن الخير والإصلاح سيَعُمَّانِ كل الآفاق، وأن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد مدَّ يده برسالةٍ مِن ربِّه إلى الإنسانية جميعها؛ ليُخرجها مِن الظلمات إلى النور، ويَرُدُّها إلى فِطْرتها الخيِّرة، ويُرْشدها إلى صراط الله المستقيم، تلك ليلة القدر، وهذا طريق إحيائها.