فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 498

وليس في بلاد الإسلام مَن يجهل معنى الصوم الذي طلبه اللهُ من المسلمين في هذا الشهر، وليس فيها مَن يجهل أن صومه رُكنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائضه الأُولى التي بُني عليها. وقد عبَّر القرآن عن فريضته"بمادة"لا تحتمل غير الإثبات والإيجاب والتحتيم، بمادة لم تُعرف فيه لغير الصوم مِن أركان الإسلام. بمادة كان أكثر ما ورد للتعبير بها في الدلالة على التحتُّم والثبوت لمُقتضيات الذات الإلهية، أو لمُقتضيات النظام الكوني الذي قدَّره الله في سابق علْمه للكائنات، ولا يَعتريه في سُنَّته تغيير ولا تبديل. وإنك إذا قرأت في الدلالة على تحتُّم تلك المُقتضيات قوله ـ تعالى ـ: (كَتَبَ ربُّكُمْ علَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) . (الآية: 54 من سورة الأنعام) . وقوله: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أنَا ورُسُلِي) . (الآية: 21 من سورة المجادلة) وقوله: (قُلْ لنْ يُصِيبَنَا إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لنَا) . (الآية: 51 من سورة التوبة) وقوله: (أُولئكَ كَتَبَ في قُلوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منه) . (الآية: 22 من سورة المجادلة) . فإنَّك ترى القرآن لم يقف في شرْع الصوم وطلبه من المؤمنين عند"المادة"المألوفة في طلب الشيء، أو الأمر به نحو"فلْيَصُمْهُ". أو نحو: (أَقِيمُوا الصلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ) . أو نحو: (وللهِ علَى الناسِ حِجُّ البيتِ) . بل سَمَا به إلى مادة:"الكُتب والكتابة"التي عُرفت عنه في مقام التعبير عن مُقتضى الألوهية، أو مقتضى التقدير الإلهي في النظام الكوني الثابت المُتقرر، ترى القرآن سمَا بالصوم إلى هذه المادة، مُمهِّدًا له بالنداء المُوقظ للشعور، وبِوَصْف الإيمان الباعث على الامتثال، ومشيرًا في الأسلوب نفسه إلى أن الصوم تكليف الله العام لهؤلاء ولمَن مضى من عباده السابقين (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليْكُمُ الصِّيَامُ كمَا كُتِبَ على الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) . (الآية: 183 من سورة البقرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت