فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 498

1 ـ أن الكلام مَسُوقٌ لأهل مكة الذين يُنكرون البعث ويَعجبون من حديثه، وقد عُنِيَ القرآن الكريم في كثير من آياته وسُوره بالردِّ عليهم واقتلاع الشكِّ من قلوبهم. وطريقتُه في ذلك أن يَلفت أنظارهم إلى الأشياء التي يُشاهدونها فعلًا أو يؤمنون بها (يا أيُّها الناسُ إنْ كنتمْ في رَيْبٍ مِنَ البعْثِ فإنَّا خلَقْنَاكُمْ مِن تُرابٍ) . (وتَرَى الأرضَ هامِدَةً فإذا أَنْزَلْنَا عليها الماءَ اهتزَتْ ورَبَتْ) . (فانْظُرْ إلى آثَارِ رَحمةِ اللهِ كيفَ يُحيي الأرضَ بعدَ مَوْتِهَا إنَّ ذلكَ لَمُحْيِي المَوْتَى) . وقد عرضت سورة الزخرف التي وردت فيها هذه الآية إلى هذا المعنى في أولها (والذي نَزَّلَ مِن السماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدةً مَيْتًا كذلكَ تُخْرَجُونَ) .

وهذه هي الطريقة المُستقيمة المُنتجة في الاستدلال المُقتلعة للشك، أما أن يُلفت أنظارهم إلى أشياء يُخبرهم هو بها كنُزول عيسى، وهي ـ أيضًا ـ في موضع الشك عندهم، ويطلب منهم أن يقتلعوا بهذه الأشياء ما في قلوبهم من شكٍّ فذلك طريق غير مُستقيم؛ لأنه استدلال على شيء في موضع الإنكار بشيء هو كذلك في موضع الإنكار!

2 ـ وممَّا يُؤيد هذا قول الله ـ تعالى ـ تفريعًا على أن عيسى علْمٌ للساعة: (فلا تَمْتَرُنَّ بِهَا) . فإنه يدلُّ على أن الكلام مع قومٍ يشكُّون في نفس الساعة، والعلامة إنما تكون لمَن آمَن بها وصدَّق أنها آتية لا ريب فيها؛ أما الذي يُنكر وُقوعها أو يَشُكُّ فيها فهو ليس بحاجةٍ إلى أن يُتحدَّث معه عن علاماتها، بل لا يصحُّ أن يتحدثَ في ذلك معه، وإنما هو بحاجةٍ إلى دليل يحمله على الإيمان بها أولًا؛ ليُمكن أن يُقال له بعد ذلك: هذا الذي آمنتَ به علاماتُه كذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت