3 ـ ثم إنه من الأصول المُقررة في فهْم أساليب اللغة العربية أن الحُكم إذا أُسند في اللفظ إلى الذات، ولم تَصحّ إرادتها معنًى، قُدِّرَ في الكلام ما كان أقرب إلى الذات وأشد اتصالًا بها. فإذا طبَّقنا هذه القاعدة على قوله ـ تعالى ـ: (وإنَّهُ لعِلْمٌ للسَّاعَةِ) . وعلمنا أن ذات عيسى مِن حيث هيَ لا يصحُّ أن تكون مُرادة هنا، وأنه لابدَّ مِن تقديرٍ في الكلام، ثم وازَنَّا بين النُّزول والخلْق من غير أبٍ، وإحياء الموتَى، فلا شكَّ أننا نجد الخلْق من غير أبٍ أقربَ هذه الثلاثة إلى الذات؛ لأنه راجع إلى إنشائه وتكوينه إلا إلى شيء عارضٍ له، وحينئذ يتعيَّن الحمْل عليه ويكون معنى الآية الكريمة:"لا تَشُكُّوا في الساعة فإنَّ الذي قَدَرَ على خَلْقِ عيسى من غيرِ أبٍ قادرٌ عليها".
وبهذا يتبيَّن:
أولًا: أن الإخبار بنُزول عيسى لا يَصلح دليلًا على الساعة يَقتلع به ما في نفوس المُنكرين لها من شكٍّ ويصح أن يُقال عقبه"فلا تَمْتَرُنَّ بِهَا".
وثانيًا: أن جعْل عيسى بنُزوله آخر الزمان علامةً مِن علامات الساعة لا يَستقيم هنا؛ لأن الحديث مع قوم مُنكرين للساعة فهم بحاجة إلى دليل عليها، لا مع قوم مؤمنين بها حتى تُذكر لهم علاماتها.
وثالثًا: أن أقرب ما تحمل عليه الآية هو المعنى الثاني الذي بيَّنَّا.
أما بعدُ: فهذه هي الآيات التي أَوردوها في شأن عيسى مِن رَفْعِه أو نُزوله.
ولا شك أن القارئ المُنصف بعد عرضها على هذا النحو وتطبيقها على المبادئ التي ذكرنا لا يُخامره شكٌّ في أنه:"ليس في القرآن الكريم ما يُفيد بظاهره غلَبَةَ ظنٍّ بنُزول عيسى أو رفْعه، فضلًا عمَّا يُفيد القطع الذي يُكَوِّنُ العقيدة، ويُكفِّر منكره كما يزعمون".