تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 992
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، سأل عبد اللّه بن أبيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان رجلا صالحا أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل. فنزلت. فقال عليه السّلام: قد رخص لي فأزيد على السبعين. فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم وعلى هذا فالضمائر عائدة على جميع المنافقين، والخطاب بالأمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. والظاهر أن المراد بهذا الكلام التخيير، وهو الذي روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد قال له عمر: كيف تستغفر لعدو اللّه وقد نهاك اللّه عن الاستغفار لهم؟ فقال عليه السّلام: ما نهاني ولكنه خيّرني. فكأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت فلا تستغفر، ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ الآية، لما ذكر تعالى ما ظهر من النفاق والهزء من الذين خرجوا معه إلى غزوة تبوك من المنافقين، ذكر حال المنافقين الذي لم يخرجوا معه وتخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار وعلل كاذبة حتى أذن لهم، فكشف اللّه تعالى لرسوله عن أحوالهم وأعلمه بسوء فعالهم، فأنزل عليه فرح المخلفون أي عن غزوة تبوك، وكان عليه السّلام قد خلفهم بالمدينة لما اعتذروا فأذن لهم.
وهذه الآية تقتضي التوبيخ والوعيد. ولفظة المخلفون تقتضي الذم والتحقير، ولذلك جاء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وهي أمكن من لفظ المتخلفين، إذ هم مفعول بهم ذلك ولم يفرح إلا منافق فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر. ولفظ المقعد يكون للزمان والمكان والمصدر وهو هنا للمصدر، أي بقعودهم. وهو عبارة عن الأمة بالمدينة. وانتصب خلاف على الظرف أي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقال فلان أقام خلاف الحي أي بعدهم إذا ظعنوا ولم يظعن معهم. ومنه قول الشاعر:
وقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تأهب لأخرى مثلها وكأن قد.