تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 956
بشير قال: كنت عند منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل اللّه أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر رضي اللّه عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يوم الجمعة. ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما اختلفتم فيه. فنزلت هذه الآية.
وسقاية هو على حذف مضاف تقديره ذوي سقاية الحاج فيعادل قوله: كمن آمن، ولما نفى المساواة بينهما أوضح بقوله: واللّه لا يهدي القوم الظالمين، من الراجح منهما وان الكافرين باللّه هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بترك الإيمان باللّه تعالى وبما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وظلموا المسجد الحرام إذ جعله اللّه تعالى متعبدا له فجعلوه متعبدا لأوثانهم.
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا الآية، زادت هذه الآية وضوحا في الترجيح للمؤمنين المتصفين بهذه الأوصاف على المشركين المفتخرين بالسقاية والعمارة فطهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان، وطهروا أبدانهم بالهجرة إلى موطن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترك ديارهم التي نشاؤا فيها، ثم بالغوا في الجهاد في سبيل اللّه تعالى بالمال والنفس المعرضين بالجهاد للتلف فهذه الخصال أعظم درجات البشرية.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)