تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 483
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لما أمر اللّه تعالى المؤمنين أولا بالنفر إلى الجهاد ثم ثانيا بقوله: فليقاتل في سبيل اللّه، ثم بالثالث على طريق الحث والحض بقوله: وما لكم لا تقاتلون، أخبر في هذه الآية بالتقسيم إن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل اللّه وإن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت ليتبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ويقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم وإن من قاتل في سبيل اللّه هو الذي يغلب. لأن اللّه هو وليه وناصره ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب. والطاغوت هنا الشيطان لقوله:
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، وهنا محذوف التقدير فإنكم تغلبونهم لقوتكم باللّه ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأن كيد الشيطان ضعيف فلا يقاوم نصر اللّه وتأييده.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ الآية، خرج النسائي في سننه عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة فقالوا: يا نبي اللّه كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم