تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 584
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ الآية، هذا تعجيب من تحكيمهم إياه مع أنهم لا يؤمنون به ولا بكتابه وفي كتابهم الذين يدعون الإيمان به حكم اللّه نص جلي فليسوا قاصدين حكم اللّه حقيقة وإنما قصدوا بذلك أن يكون عنده صلّى اللّه عليه وسلّم رخصة فيما تحاكموا إليه فيه اتباعا لأهوائهم وانهماكا في شهواتهم، ومن عدل عن حكم اللّه في كتابه الذي يدعي أنه مؤمن به إلى تحكيم من لم يؤمن به ولا بكتابه فهو لا يحكم إلا رغبة فيما يقصده من مخالفة كتابه. وإذا خالفوا كتابهم لكونه ليس على وفق شهواتهم فلأن يخالفوك إذا لم توافقهم أولى وأحرى. والواو في «وَعِنْدَهُمُ» للحال وعندهم التوراة مبتدأ وخبر وفيها حال من التوراة وارتفع حكم على الفاعلية بالجار والمجرور أي كائنا فيها حكم اللّه.
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ قال ابن عطية: أي من بعد كون حكم اللّه في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمره تعالى. «انتهى» . وهذه الجملة مستأنفة أي ثم هم يتولون بعد ذلك وهي أخبار من اللّه تعالى بتوليهم على عادتهم في أنهم إذا وضح لهم الحق أعرضوا عنه. وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي من ترك حكم كتابه وحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو منتف عنه الإيمان حقيقة. وانتصاب كيف على الحال وهو استفهام لا يراد به حقيقته بل التعجب من حالهم كيف علموا حكم اللّه في كتابهم وحكم الرسول عليه السّلام.
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)