تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 585
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ قال ابن عباس وابن مسعود نزلت في الجاحدين حكم اللّه وهي عامة في كل من جحد حكم اللّه، والذين أسلموا وصف مدح للأنبياء كالصفات التي تجري على اللّه وأريد بإجرائها التعريض باليهود والنصارى حيث قالوا: إن الأنبياء كانوا يهود وقالت النصارى: كانوا نصارى. فبين أنهم كانوا مسلمين كما كان إبراهيم ولذلك جاء هو سماكم المسلمين من قبل وفيه بهذا الوصف أن اليهود والنصارى بعداد من هذا الوصف الذي هو الإسلام وإن كان دين الأنبياء كلهم قديما وحديثا. وتقدم الكلام على الربانيين في آل عمران.
والأحبار: هم العلماء، واحدهم: حبر، بفتح الحاء وكسرها. وقال أبو الهيثم: هو بفتح الحاء. وقال الفراء: هو بالكسر، فأما الذي يكتب به فبكسر الحاء.
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ الباء في بما لكسب وتتعلق بقوله: يحكم، واستفعل هنا للطلب والمعنى بسبب ما استحفظوا، والضمير في استحفظوا عائد على النبيين والربانيين والأحبار أي بسبب ما طلب اللّه منهم حفظهم لكتاب اللّه وهو التوراة، وكلفهم حفظها وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها. واستحفظوا مبني للمفعول حذف الفاعل وهو اللّه والمعنى استحفظهم اللّه أي طلب حفظهم له.
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ الظاهر أن الضمير عائد على كتاب اللّه، أي كانوا عليه رقباء لئلا يبدل. والمعنى محكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى وكان بينهما ألف نبي. للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم وآبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد.
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ الآية، الظاهر أن هذا الخطاب لليهود على سبيل الحكاية. والقول لعلماء بني إسرائيل يشمل من كان بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من علماء اليهود. وفي الكلام التفات خرج من ضمير الغيبة وهو ضمير الرفع في يحكمونك إلى ضمير الخطاب في قوله: فلا تخشوا.