تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 538
العبودية لأنه يلازم من استنكافه وحده أن يكون هو والملائكة عبيدا أو أن يكون هو وهم يعبدونه، مع عدم استنكافهم هم فقد يرضى شخص أن يضرب هو وزيد عمرا ولا يرضى ذلك زيد ويظهر أيضا مرجوحية الوجهين من جهة دخول لا إذ لو أزيد العطف على الضمير في يكون أو على المستتر في عبدا لم تدخل لا بل كان يكون التركيب بدونها تقول: ما يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين. وتقول: ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو فهذان التركيبان ونحوهما ليسا من مظنات دخول لا.
فإن وجد في لسان العرب دخول لا في نحو من هذا فهي زائدة.
وقرئ: (؟ عبيدا) بالتصغير واستدل من قال بتفضيل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية إذ فيها الترقي من أعلا إلى أعلا كما تقدم وهي مسألة خلاف وأجيب بأنه لما كان الملك في أنفس البشر مما يعظمونه ويرفعون من قدرة جاءت الآية على ذلك الأثر إلى قول صواحب امرأة العزيز في يوسف عليه السّلام: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم. وقوله:
فلست بأنسي البيت
وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء اللّه في قوله:
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ الآية.
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ الآية، حمل أولا على لفظ من، فأفرد الضمير في يستنكف ويستكبر، ثم حمل على المعنى في قوله: فسيحشرهم، فالضمير عائد على معنى من. هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون الضمير عاما عائدا على الخلق لدلالة المعنى عليه لأن الحشر ليس مختصا بالمستنكف ولأن التفصيل بعده يدل عليه.
ويكون ربط الجملة الواقعة جوابا بالاسم الشرط بالعموم الذي فيها، ويحتمل أن يعود الضمير على معنى من، ويكون قد حذف المعطوف عليه لمقابلته إياه التقدير فسيحشرهم ومن لم يستنكف إليه جميعا كقوله: سرابيل تقيكم الحر، أي والبرد.
وعلى هذا الاحتمال يكون ما فصل بأما مطابقا لما قبله، وعلى الوجه الأول لا يطابق والاخبار بالحشر إليه وعيد، إذ المعنى به الجمع يوم القيامة حيث بذل المستنكف والمستكبر.
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)