تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 354
تكذيبا لهم وإن إسرائيل حرم ذلك على نفسه قبل نزول التوراة.
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقبل فأتوا محذوف تقديره هذا الحق لا زعمكم معشر اليهود فأتوا وهذه محاجّة أن يؤمروا بإحضار كتابهم الذي فيه شريعتهم فإنه ليس فيه ما ادعوه بل هو مصدق لما أخبر به صلّى اللّه عليه وسلّم من أن تلك المطاعم كانت حلالا لهم في قديم وان التحريم هو حادث إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خرج مخرج الممكن وهم معلوم كذبهم وذلك على سبيل الهزء بهم.
فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الإشارة بذلك إلى التلاوة إذ مضمنها بيان مذهبهم وقيام الحجة القاطعة عليهم ويكون افتراء الكذب ان ينسب إلى كتب اللّه ما ليس فيها.
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فيما أخبر به تعالى في كتبه المنزلة حتى في قصة إسرائيل وإنّ ما قالوه كذب وانتصب حنيفا على الحال وتقدم تبيين ذلك في البقرة في قوله: بل ملة إبراهيم حنيفا.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ الآية مناسبتها لما قبلها انه لما أمر باتباع ملة إبراهيم وهو الذي كان ملته حج هذا البيت أخذ في ابتداء أمره من بنائه إلى منتهاه وظاهر قوله:
أول بيت، وضع للناس هو في بنائه لعبادة اللّه تعالى فذكر الشريف أبو البركات الجواني النسّابة إن شيث بن آدم عليهما السّلام هو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة على موضع الخيمة التي كان اللّه وضعها لآدم من الجنة وأول نكرة، فخصّصت بالاضافة وبالصفة فحسن الاخبار عنها بالموصول وهو معرفة وتقديره للبيت الذي ببكة وأكدت النسبة بأن وباللام. وبكة قيل مكة والباء والميم قد يتعاقبان. وقيل: اسم لبطن مكة والباء ظرفية.
ومُبارَكًا حال في الضمير الذي هو في الحقيقة صلة للموصول تقديره الذي استقر في بكة مباركا.
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)