تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 134
ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ تعليق بترجي معرفة البضاعة للرجوع إلى يوسف قيل وكانت بضاعتهم النعال والأدم.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا: يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ الآية، أي رجعوا من مصر ممتارين بادروا بما كان أهم الأشياء عندهم من التوطئة لإرسال أخيهم معهم وذلك قبل فتح متاعهم وعلمهم إحسان العزيز إليهم من ردّ بضاعتهم وأخبروا بما جرى لهم مع العزيز الذي على إهراء مصر وانه استدعى منهم العزيز أي يأتوا بأخيهم حتى يتبين له صدقهم أنهم ليسوا جواسيس وقولهم: منع منا الكيل إشارة إلى قول يوسف قال: فإذا لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ويكون منع يراد به في المستأنف وإلا فقد كيل لهم وجاؤا بالميرة لكن لما أنذروا بمنع الكيل قالوا: منع وقيل أشاروا إلى بعير بنيامين الذي منع من الميرة وهذا أولى بحمل منع على الماضي حقيقة ولقولهم فأرسل معنا أخانا نكتل ويقويه قراءة يكتل بالياء أي يكتل أخونا فإنما منع كيل بعبره لغيبته.
قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ هذا تقرير وتوقيف وتألم من فراقه بنيامين ولم يصرح بمنعه من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة وشبه هذا الائتمان في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حق يوسف قلتم فيه وإنا له لحافظون كما قلتم في هذا فأخاف أن تكيدوا له كما كدتم لذلك لكن يعقوب لم يخف عليه كما خاف على يوسف واستسلم للّه فقال:
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وقرئ: حافظا اسم فاعل وانتصب حفظا وحافظا على التمييز والمنسوب له الخير هو حفظ اللّه والحافظ الذي من جهة اللّه وجاز الزمخشري أن يكون حافظا حالا وليس بجيد لأن فيه تقييد خير بهذه الحالة.
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اعتراف بأن اللّه تعالى هو ذو الرحمة الواسعة فارجو منه حفظه ولا يجمع على مصيبته ومصيبة أخيه.
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69)
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74)
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)