تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 43
مبتدأة موصولة بمعنى الذي وصلتها جئتم به، وخبر المبتدأ السحر بالاستفهام، فما استفهامية مبتدأة تقديره أي شئ، وجئتم به الخبر، والسحر بدل من ما.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون استفهاما ثانيا تقديره أهو السحر.
قال ابن عطية: والتعريف هنا في السحر ارتب لأنه قد تقدم منكرا في قوله: إن هذا لسحر، فجاء هنا بلام العهد كما يقال: إن أول الرسالة سلام عليك، وفي آخرها السّلام عليك. «انتهى» . أخذ هذا من الفراء قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام، ولو قال له من رجل لم يقع له في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له. «انتهى» .
وما ذكراه هنا في السحر ليس هو من باب تقدم النكرة ثم أخبر عنها بعد ذلك، لأن شرط هذا أن يكون المعرف بالألف واللام هو النكرة المتقدم ولا يكون غيره كما قال تعالى: كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول. وتقول: زارني رجل فأكرمت الرجل ولما كان إياها جاز أن تأتي بالضمير بدله فتقول: فأكرمته.
والسحر هنا ليس هو السحر الذي في قولهم: ان هذا السحر، أي ان الذي أخبر ذا عنه بأنه سحر هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا، والسحر الذي في قول موسى إنما هو سحرهم الذي جاؤا به فقد اختلف المدلولان إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عما جاؤا به، ولذلك لا يجوز أن يؤتى هنا بالضمير بدل السحر فيكون عائدا على قولهم لسحر وسيبطله بمحقه بحيث يذهب ويظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة.
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89)