تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 257
ان المحاجّة لم تقع وقت أن آتاه اللّه الملك إلا أن يجوز في الوقت فلا يحمل على ما يقتضيه الظاهر من أنه وقت ابتداء إيتاء اللّه الملك له ألا ترى أن إيتاء اللّه الملك إياه سابق على المحاجة وإن عني انّ ان والفعل وقعت موقع ظرف الزمان كقولك:
جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك فلا يجوز ذلك، لأن النحويين نصوا: على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرّح بلفظه فلا يجوز: أجيء أن يصيح الديك، ولا جئت إن صاح الديك.
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ سبق سؤال من الكافر: وهو قوله من ربك أي الذي يتصرف فيك وفي أشباهك بما لا تقدر عليه. وفي قوله: ربي الذي اختصاص فعارضه الكافر بأن أحضر رجلين قتل أحدهما وأرسل الآخر. ولما رأى إبراهيم مغالطة الكافر وادّعاءه ما يوهم أنه اله، ذكر له ما لا يمكن أن يغالط فيه ولا أن يدعيه، وقد كان لإبراهيم أن ينازعه فيما ادعاه ولكنه أراد قطع تشغيبه عن قرب وأن لا يطيل معه الكلام إذ شاهد منه ما لا يمكن أن يدعيه عاقل.
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ وعدل إلى الاسم. الشائع عند العالم كلهم وهو اللّه وقرر بذلك ان ربه الذي يحيي ويميت هو اللّه الفاعل لهذا الأمر العظيم، الذي لا يمكنك أن تموّه بدعواك كما موّهت بالاحياء والاماتة.
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي دهش وشغل وتحير ونبه على الوصف الموجب لبهته وهو كفره. وقرئ مبنيا للمفعول والفاعل المحذوف إبراهيم أي بهت إبراهيم الكافر بالحجة الدامغة له ومبنيا للفاعل أي فبهته إبراهيم وبهت بضم الهاء وفتح الباء وبفتح الباء وكسر الهاء أي الكافر. وقد منع اللّه هذا الكافر أن يدعي أنه هو الذي يأتي بالشمس من المشرق إذ من كابر في ادّعاء الاحياء والاماتة قد يكابر في ذلك ويدعيه إذ المسألتان سواء في دعوى ما لا يمكن لبشر ولكن جعله مبهوتا دهشا متحيرا إكراما لنبيه إبراهيم وإظهارا لدينه.
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)