تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 50
وكثيرا ما ذكر اللّه في كتابه الحض على التفكر في مخلوقاته تعالى وقال: ماذا في السموات والأرض، تنبيها على القاعدة الكلية. والعاقل يتنبّه لتفاصيلها وأقسامها، ثم لما أمر اللّه تعالى بالنظر أخبر أنه من لا يؤمن لا تغنيه الآيات.
والنذر: جمع نذير، أما مصدر فمعناه الإنذارات، وأما بمعنى منذر، فمعناه المنذرون والرسل.
وما: الظاهر أنها للنفي ويجوز أن تكون استفهاما، أي وأيّ شئ تغني الآيات وهي الدلائل وهو استفهام على جهة التقرير. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون ما في قوله: وما تغني مفعوله لقوله: انظروا، معطوفة على قوله: ماذا، أي تأملوا قدر غنى الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع العذاب في الدنيا والآخرة، وينجي من المهلكات فالآية على هذا تحريض على الإيمان.
ويجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو قوله: لا يؤمنون. «انتهى» . هذا احتمال فيه ضعف. وفي قوله: مفعولة معطوفة على ماذا تجوز، يعني أن الجملة الاستفهامية التي هي ماذا في السموات في موضع المفعول، لا ان ماذا وحده منصوب بانظروا، فتكون «ماذا» موصولة. و «انظروا» بصرية، لما تقدم.
وفي الآية توبيخ لحاضري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المشركين.
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا لما تقدم قوله: فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم وكان ذلك مشعرا بما حل بالأمم الماضية المكذبة ومصرحا بهلاكهم في غير ما آية، أخبر تعالى عن حكاية حالهم الماضية فقال: ثم ننجي رسلنا، والمعنى ان الذين خلوا أهلكناهم لما كذبوا الرسل، ثم نجينا الرسل والمؤمنين.
والظاهر أن كذلك في موضع نصب تقديره مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك يا محمد، ويكون «حقا» على تقدير حق ذلك حقا.
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109)