تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 729
استجمعت فيه هذه الصفات كان جديرا بالعبادة وأن يفرد بها فلا يتخذ معه شريك ثم أخبر أنه مع تلك الصفات السابقة التي منها خلق كل شئ هو المالك لكل شئ من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال.
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ اختلف المفسرون في الإدراك في هذه الآية ما هو فقيل: الإدراك هنا الرؤية. وبه قال جماعة من الصحابة وقيل: الإدراك هنا هو الإحاطة بالشئ وليس بمعنى الرؤية وهو قول جماعة من الصحابة أيضا. وسيأتي الكلام على الرؤية في سورة الأعراف عند قوله حكاية عن موسى عليه السّلام في قوله: رب أرني أنظر إليك. الآية.
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)
وقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ هذا وارد على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قوله: وما انا عليكم بحفيظ، والبصيرة: نور القلب الذي يستبصر به، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي والتنبيه بما يجوز على اللّه تعالى وما لا يجوزها هو للقلوب كالبصائر.
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فالأبصار لنفسه أي نفعه وثمرته.
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها أي فالعمى عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال. والمعنى أن ثمرة الهدى والضلال إنما هي للمهتدي والضال لأنه تعالى غني عن خلقه وهذه من الكنايات الحسنة لما ذكر البصائر أعقبها بالإبصار والعمى، وهذه مطابقة لطيفة.