تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 467
وقال الزمخشري: إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره وأراد بالقلة العدم كقوله:
قليل التشكي للهموم تصيبه
أي عديم التشكي.
وقال ابن عطية: من عبر بالقلة عن الإيمان، قال: هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم أرض قلّما تنبت كذا وهي لا تنبت جملة. وهذا الذي ذكره الزمخشري وابن عطية من أن القليل يراد به العدم هو صحيح في نفسه لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه، فإذا قلت: لا أقوم إلا قليلا لم يوضع هذا الانتفاء القيام البتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلا فيوجد منك.
وإذا قلت: قلّ ما يقوم أحد إلا زيد وأقلّ رجل يقول ذلك، احتمل هذا أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض، وكأنك قلت:
ما يقوم أحد إلا زيد وما رجل يقول ذلك، اما أن تنفي ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي فلا إذ تكون إلا وما بعدها على التقدير جيء بها لغوا لا فائدة إذ الانتفاء قد فهم من قولك لا أقوم فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضا فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد إلا موافقا لما قبلها في المعنى، وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقا لما قبلها.
وظاهر قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا إذا جعلناه عائدا إلى الإيمان إن الإيمان يتجزأ بالقلة والكثرة فيزيد وينقص والجواب أن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (48)