تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 158
هبيرة انتهى وليست غلطا ولها وجه في العربية وهو أن الشرط والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارع منصوبا بإضمار أن بعد الفاء كقراءة من قرأ وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر بإضمار أن بعد الفاء ولا فرق في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمة أو غير جازمة ومفعول نشاء محذوف تقديره ننجيه.
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ والبأس هنا الهلاك وهذه الجملة فيها وعيد وتهديد لمعاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ الآية، الضمير في قصصهم عائد على الرسل والمرسل إليهم واندرجت فيه قصة يوسف وغيره وقرأ في قصصهم بكسر القاف أحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي والقصي عن عبد الوارث عن أبي عمرو جمع قصة والعبرة الدلالة التي يعبر بها إلى العلم والعبرة الاتعاظ والظاهر أن اسم كان مضمر يعود على القصص أي ما كان القصص حديثا مختلقا بل هو حديث صدق ناطق بالحق جاء به من لم يقرأ الكتب ولا تتلمذ لأحد ولا خالط العلماء وانتصب تصديق على أنه خبر كان المحذوفة تقديره ولكن كان أي الحديث المشتمل على قصص الأنبياء تصديق الذي بين يديه أي بين يدي الحديث ومعنى بين يديه أي الكتب المنزلة الإلهية وتفصيل كل شىء مما يحتاج إليه في الشريعة وقرأ حمدان بن أعين وعيسى الكوفي تصديق وتفصيل وهدى ورحمة برفع الأربعة أي ولكن هو تصديق والجمهور بنصب الأربعة وقال ذو الرمة:
وما كان لي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء اللّه من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم
برفع إعطاء على إضمار هو ونصبه على إضمار كان وهدى ورحمة أي سبب هداية في الدنيا وسبب حصول الرحمة في الآخرة وحض المؤمنون بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك كما قال تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وتقدم أول السورة قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وفي آخرها ما كان حديثا يفترى فلذلك احتمل أن يعود الضمير على القرآن وأن يعود على القصص واللّه تعالى أعلم.