تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 172
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الآية، هذا مثل ضربه اللّه للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء الشرع والدين والأودية مثل القلوب ومعنى بقدرها على وسعة القلوب وضيقها فمنها ما انتفع به فحفظه ووعاه فتدبر فيه فظهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه ومنها دون ذلك بطبقة ومنها دونه بطبقات والزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام اللّه تعالى ودفعهم إياه والماء الصافي المنتفع به مثل الحق وفي الحديث الصحيح ما يؤيد هذا التأويل وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: مثل ما بعثت به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا وكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أجادب فأمسكت الماء فانتفع الناس به وسقوا ورعوا وكانت منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل ما جئت به من العلم والهدى ومثل من لم يقبل هدي اللّه الذي أرسلت به والماء المطر ونكر أودية لأن المطر إنما ينزل على طريق المناوية فيسيل بعض الأودية دون بعض وأودية جمع قلة كقولهم: نادو أندية والزبد قال الرماني: وضر الغليان وخبثه قال الشاعر:
فما الفرات إذا هب الرياح له ... ترمي غوار به العبرين بالزبد
ومعنى بقدرها أي على قدر صغرها وكبرها أو بما قدّر لها من السماء بسبب نفع الممطور عليهم لا ضررهم ألا ترى إلى قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فالمطر مثل للحق فهو نافع خال من الضرر وعرف السيل لأنه عني به ما فهم من الفعل والذي يتضمنه الفعل من المصدر هو نكرة فإذا عاد عليه الظاهر كان معرفة كما كان لو صرح به نكرة ولذلك يضمر إذا عاد على ما دل عليه الفعل من المصدر نحو من كذب كان شرا له أي كان الكذب ولو جاء هنا مضمرا لكان جائزا عائدا على المصدر المفهوم من فسالت واحتمل بمعنى حمل جاء فيه افتعل بمعنى المجرد كاقتدر وقدر ورابيا منتفخا عاليا على وجه السيل ومنه الربوة.