تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 163
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ والمنعوق به. شبه داعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه وشبّه الكفار بالغنم في كونهم لا ينتفعون بما دعوا إليه غير أصوات. حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني وهو الذي ينعق ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
وتقدم يا أَيُّهَا النَّاسُ، وهنا أقبل على المؤمنين بندائهم وأباح لهم أكل ما رزقهم من الطيبات وأمرهم بالشكر على ذلك وكانت وجوه الطيبات كثيرة استطرد إلى ذكر المحرمات. وقرىء حرّم وحرّم وحزم والميتة بالتخفيف والتشديد، والظاهر أن المحذوف هو الأكل أي أكل الميتة لقوله: كلوا من طيبات. والميتة عام خص منه الحوت والجراد. قال ابن عطية: الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم «انتهى» .
فإن عني لم يدخل في دلالة اللفظ فلا نسلم له ذلك وإن عني لم يدخل في الارادة فهو كما قال، لأن المخصص يدل على أنه لم يرد به الدخول في اللفظ العام الذي خصص به.
وقال الزمخشري: فإن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد، قلت:
قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه على العادة ألا ترى أن القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الفهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دما لم يسبق إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وإن أكل لحما في الحقيقة. وقال تعالى:
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا. وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث وإن سماه اللّه دابة في قوله: إن شر الدواب عند اللّه الذين كفروا. «انتهى» . وملخص ما يقول ان السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة وليس كما قال وكيف يكون ذلك وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: احلت لنا ميتتان ودمان فلو لم يندرج في الدلالة لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله إذا كان يبقى مدلولا على حله بقوله: كلوا مما في الأرض كلوا من طيبات ما رزقناكم. وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة كما قال الزمخشري: بل لو لم يكن للمخاطب شعور البتة ولا علم ببعض أفراد