تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 218
اللّه وحذرهم يوم المعاد نهاهم عن ابتذال اسمه تعالى وجعله معرضا لما يحلفون عليه دائما، لأن من يتقي ويحذر يجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير عظيم أو حقير والحنث مع الاكثار، واللام في لإيمانكم متعلقة بعرضة أي معدا ومرصدا، أو بتجعلوا فتكون للتعليل.
أَنْ تَبَرُّوا أي إرادة أن تبروا، علل الامتناع من ابتذال اسم اللّه في الحلف بإرادة وجود البر، والمعنى إنما نهيتكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والاصلاح ويعقد من ذلك شرط وجزاء، أي إن امتنعت من ابتذال اسمه تعالى بررت واتقيت وأصلحت. وقد كثر كلام المفسرين في موضع: ان تبروا.
قال الزمخشري: يتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة، أي ولا تجعلوا اللّه لأجل إيمانكم به عرضة لأن تبروا. «انتهى» .
ولا يصرح هذا التقدير لأن فيه فصلا بين العامل والمعمول بأجنبي لأنه علق لإيمانكم بتجعلوا وعلق لأن تبروا بعرضة فقد فصل بين عرضة وبين لأن تبرروا بقوله: لإيمانكم وهو أجنبي منهما لأنه معمول عنده لتجعلوا وذلك لا يجوز ونظير ما أجازه أن تقول أمرر واضرب بزيد هذا، فهذا لا يجوز. ونصوا على أنه لا يجوز: جاءني رجل ذو فرس أبلق راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي. والذي يظهر لي أن إن تبروا في موضع نصب على إسقاط الخافض، والعامل فيه قوله: لإيمانكم التقدير لأقسامكم على أن تبرّوا فنهوا عن ابتذال اسمه تعالى وجعله معرضا لأقسامهم على البر والتقوى والاصلاح اللاتي هن أوصاف حسنة لما يخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساما على ما ينافي البر والتقوى والاصلاح، وعلى هذا يكون الكلام منتظما واقعا كل لفظ منه مكانه الذي يليق به. وقال الزمخشري: ان تبروا وتتقوا وتصلحوا عطف بيان لإيمانكم أي: الأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والاصلاح بين الناس.
«انتهى» . وهو ضعيف لأن فيه مخالفة للظاهر لأن الظاهر من الإيمان هي الأقسام والبر والتقوى والصلاح هي المقسم عليها فهما متباينان ولا يجوز أن يكون عطف بيان على الإيمان لكنه لما تأول الإيمان على أنها المحلوف عليها ساغ له. وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الايمان بالمحلوف عليها وعلى مذهبه يكون أن تبروا في موضع جر ولو ادعى أن يكون ان تبروا وما بعده بدل من إيمانكم لكان أولى لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الاعلام.